خطة ترامب لإعادة عصر الإمبراطوريات الاستعمارية
يصبح من السهل تطويق روسيا والصين. وتعد الحرب على إيران من أهم المعارك الفاصلة في طريق عودة الإستعمار والقضاء على أي منافسين أو متمردين

ترامب يسعي عبر الخارجية الأمريكية لتأكيد الفكرة الاستعمارية
بقلم:
مصطفى السعيد
كلمة وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر ميونيخ للأمن عن إعادة عصر الإمبراطوريات الاستعمارية كانت الأكثر وضوحا، فالوزير الأمريكي أثنى على عصر الإمبراطوريات الاستعمارية، وأثنى على دور الإمبراطوريات الأوروبية التي سيطرت على معظم أنحاء العالم، ودعا إلى إحياء عصر الإمبراطوريات الاستعمارية بقيادة أمريكا ومشاركة أوروبا، ووصف الدور الأمريكي بأنه المنقذ للحضارة الغربية من منافسيها والمعادين لها ولو بالقوة، بينما وصف حركات التحرر بأنها شيوعية وملحدة ومتمردة.
كلمة روبيو كانت الأكثر وضوحا لدرجة الفجاجة، لا تختبئ خلف شعارات أو ادعاءات، فهو يؤمن بتفوق الغرب العرقي، أي بالعنصرية، وروبيو ليس كما يقال من أصول كوبية، واعتقد البعض أنه ينتمي لأسرة أخرجها قائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو من كوبا، فهو من أصول إسبانية، تعود إلى نبلاء اسبانيا، وانتقلت إلى كوبا، التي كانت تحت الحكم الإسباني، وخرجت أسرته إلى الولايات المتحدة أثناء حكم الديكتاتور باتيستا الموالي لأمريكا.
تتسق كلمة ماركو روبيو من سياسة ترامب، والتي قال أعلن فيها عن عودة استعمار أمريكا اللاتينية، تحت مبدأ مونرو المعدل، والذي أسماه مبدأ “دونرو”، وقال إن نصف الكرة الغربي من حق أمريكا، وعندما شن ضربة على فنزويلا واختطف رئيسها نيكولاس مادورو قال إنني من أحكم فنزويلا، وبترول فنزويلا تحت تصرفي، ومن يريد شراء النفط الفنزويلي فليتحدث معنا.
وتأتي تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى الكيان لتزيد الصورة وضوحا، فهو يرى أن من حق إسرائيل أن تسيطر على مساحة شاسعة من الشرق الأوسط، وأن لديها حق إلهي بالأرض الموعودة، وهي الأرض التي تراها إسرائيل واقعة من النيل إلى الفرات، وفي الواقع تريد إسرائيل سيطرة أوسع، وأن تدمر كل من يعاديها، أو حتى أي دولة يمكن أن تمتلك مقومات القوة، ولو كانت حليفة، فمن غير المسموح في نظر الكيان وجود أي دول قوية في محيطها الواسع.
لماذا أصبحت تلك الأفكار والسياسات أكثر رواجا في السنوات الأخيرة؟
إن فشل اليمين النيوليبرالي المؤمن بالعولمة كان السبب الرئيسي لبزوغ اليمين القومي العنصري، فاليمين النيوليبرالي كان يعتقد أنه قادر على السيطرة على العالم من خلال الشركات العابرة للقومية، والمنظمات الدولية التي تضعف من دور الحكومات المحلية، ليصبح العالم بكامله تحت هيمنة الشركات الغربية الضخمة العابرة للحدود، والتي ستكون سطوتها كبيرة على العالم، فلم تعد دول الغرب بحاجة إلى الاحتلال المباشر، طالما تفرض سطوتها من خلال قوانين التجارة والتبادل والعملة المرجعية ومنظومة سويفت وصندوقي النقد والبنك الدوليين، وغيرها من الأدوات التي تنقل الثروة من دول الجنوب إلى الغرب بطريقة سلسة وناعمة عبر التبادل غير المتكافئ المبني على احتكار الغرب للتكنولوجيا، ومن يحتاج إلى سلع ومنتجات يحتكرها الغرب يدفع أثمانا أكبر بمرات من تكلفة إنتاجها، بينما الدول المتخلفة والفقيرة والمفككة يمكن التحكم في أسعار منتجاتها، والحصول عليها بأبخس الأسعار، وبالتالي يتعزز التفوق والفوارق بين الدول الغنية والفقيرة.
كانت نهضة عدد من دول آسيا، خاصة الصين من كسر الهيمنة الغربية واحتكارها للتكنولوجيا، بل تفوقت عليها في عدد من المجالات، وبدأت الولايات المتحدة وأوروبا تعاني من عدم القدرة على منافسة تلك الدول، وظهرت منظمة بريكس لتكون التعبير عن الدول البازغة، والتي طرحت التخلي عن الدولار ومنظومة سويفت، لتلغي امتيازات أمريكا والغرب، فكان التحدي، وكان غروب العولمة الإمبريالية، وأحزابها النيو ليبرالية، وبزغ اليمين القومي متوعدا بإعادة الهيمنة، وكان ترامب نموذجا لليمين القومي الشعبوي، المعادي للمهاجرين، والداعي لفرض الهيمنة والاحتلال بالقوة.
خطة ترامب واليمين القومي ليست مجرد حملات تخويف وتهويل، وإنما خطط مدروسة، تبدأ من السيطرة على الدول الضعيفة المتمردة مثل فنزويلا وكوبا، وتمتد إلى دول البريكس واحدة تلو الأخرى مثل جنوب أفريقيا ثم البرازيل، وهكذا حتى تقضي على دول البريكس، ويصبح من السهل تطويق روسيا والصين. وتعد الحرب على إيران من أهم المعارك الفاصلة في طريق عودة الإستعمار والقضاء على أي منافسين أو متمردين.
الخطة قابلة للتنفيذ إذا لم تنتبه كل تلك البلدان المستهدفة، سواء من كانت على رأس القائمة أو في ذيلها، وأن تتوحد لكبح النهج الاستعماري في الوقت المناسب، لأن ربح أمريكا والغرب عدة معارك سيكسبها المزيد من الثقة والقدرة، وسيصبح من الصعب وقف الزحف الاستعماري. هذا ما يفرض إقامة جبهة موحدة لإحباط المخطط الاستعماري، وكسره قبل استفحاله وابتلاع العالم.

كاتب صحفي
رابط المقال المختصر:





