خالد علي يكتب: كنيسة وجامع وطبيب جعلوا الميدان قلبًا واحدًا
في ضجيج الهتاف وأزيز الرصاص، وفي بقعةٍ تحولت من مجرد ساحة جغرافية إلى "قلب العالم" النابض بالحرية، وُلدت ملاحم لم تكتبها الأقلام، بل سطرها الشاش والمشرط وضمادات الجراح. في ميدان…

أطباء المستشفى الميداني في ثورة يناير
في ضجيج الهتاف وأزيز الرصاص، وفي بقعةٍ تحولت من مجرد ساحة جغرافية إلى “قلب العالم” النابض بالحرية، وُلدت ملاحم لم تكتبها الأقلام، بل سطرها الشاش والمشرط وضمادات الجراح. في ميدان التحرير، لم يكن الطب مهنة، بل كان صلاة صامتة في محراب الإنسانية. حيث اختلط الهتاف بالدمع، والرجاء بالألم، فلم تكن الحكاية حكاية سياسة فقط، بل كانت حكاية إنسان. هناك، وُلدت ملحمة صامتة أبطالها أطباء حملوا سماعاتهم بدل الدروع، وكنيسة ومسجد فتحوا أبوابهما فصارا وطنًا صغيرًا يضم الجرحى والقلوب المنهكة.
كنيسة الدوبارة
كنيسة قصر الدوبارة لم تكن مقصداً للعبادة فحسب، بل حضنٍ يسع الجميع. هناك، تلاشت الفوارق وتوحدت الآلام. وتحولت أروقة الكنيسة العريقة إلى مشفى ميداني هو الأكبر والأكثر تنظيماً، حيث امتزجت رائحة البخور برائحة المطهرات، وارتفعت الترانيم لتواسي أنين الموجعين.
فتحت الكنيسة ذراعيها كما تفتح الأم صدرها لابنها الجريح. وتحوّلت جدرانها إلى ملاذ آمن، وصار صمتها صلاة من أجل الشفاء. داخلها، امتزج صوت الأنين بالدعاء، وتعاون الأطباء والمتطوعون في مشهد نادر، حيث تلاشت الفروق، وبقيت الرحمة وحدها تتصدر المشهد.
المستشفى الميداني
أما أطباء ميدان التحرير، فقد أنشأوا العديد من الخيم كمستشفيات ميدانية، جاءوا من كل صوب، لا يجمعهم إلا ضمير حي وقَسَم لم ينسوه، نصبوا خيامًا بسيطة، لكنها امتلأت بعظمة الرسالة، بأيدٍ مرهقة وقلوب ثابتة، داووا الجراح، وربّتوا على الأكتاف، وحاولوا أن ينتزعوا الحياة من بين أنياب الخطر، لم يسألوا المصاب عن اسمه أو فكره، فالألم كان هوية كافية، والإنسان هو القضية.
لم تكن هناك غرف تعقيم مجهزة ولا أجهزة رنين مغناطيسي، بل كانت هناك “شنطة طوارئ” وروح تأبى أن يلفظ المصاب أنفاسه الأخيرة. هؤلاء الأطباء، الذين نزعوا شارات الرتب والمكانة، ارتدوا ثياب المعركة الحقيقية؛ معركة الحفاظ على الحياة.
كان الطبيب هناك يداوي الخصم والصديق بقلبٍ لا يعرف التحزب، يمسح الغاز عن العيون بقطعة قطن مبللة بالدموع واليقين، ويخيط الجراح تحت ضوء الهواتف المحمولة، في مشهد يعيد تعريف معنى “القسم الطبي” بعيداً عن البروتوكولات، ليصبح عقيدةً حيةً تمشي على الأرض. 
مسجد عمر مكرم
كما وقف مسجد عمر مكرم شاهدًا على وجه آخر للثورة؛ وجه الرحمة والتكافل. امتدت السجاجيد لتصير أسِرّة، وتحوّلت مواضئ الوضوء إلى نقاط إسعاف، وأصبح الأذان وعدًا بالنجاة لا مجرد نداء للصلاة. فى داخل الجامع وبمحيطه عمل أطباء ومتطوعون بصمت، ووجوه مجهولة ساندت جرحى لا تعرف أسماءهم، في مشهد أعاد تعريف قدسية المكان: قدسية أن يكون المسجد بيتًا للناس جميعًا، وأن يكون الدين فعلًا حيًا ينحاز للحياة والكرامة، تحت قبته، سقطت الفوارق، وغابت الهويات، ولم يبقَ سوى إنسان يحتاج إلى يدٍ تربت على كتفه أو ماء يغسل عينيه ولحظة مناجاه مع ربه.
في تلك اللحظات، لم يكن هناك مسلم أو مسيحي، لم تكن هناك كنيسة أو مسجد، بل كان هناك قلب مصري واحد ينبض بالحياة رغم النزف، كان المشهد رسالة أعمق من كل الخطب والمواعظ: أن الإنسانية حين تُستدعى، تحضر كاملة بلا شروط.
وفي نهاية الحكاية، لا بد من انحناءة احترام لكل أطباء الميدان، ولكل من تطوّع معهم دون انتظار شكر أو مقابل. لأولئك الذين واجهوا الموت بصدور عارية وسماعات على الرقاب، وضمدوا الجراح بكل احترافية رغم شُح الامكانيات، وداووا الخوف قبل أن يداووا الأجساد. لمن سهروا على الألم بينما كان العالم نائمًا، وجعلوا من الطب موقفًا ومن الإنسانية سلاحًا.
شكرًا لكل يدٍ امتدت لتُنقذ، لكل قلبٍ لم يتردد، ولكل اسمٍ مجهول لم نعرفه، أنتم لم تكونوا مجرد شهود على الثورة، بل كنتم أحد أسباب بقائها حيّة. في سجلات الوطن، قد لا تُكتب أسماؤكم، لكن في ذاكرة الميدان، وفي ضمير الإنسانية، أنتم الصفحة الأكثر نقاءً، والدليل الأبقى على أن مصر، حين تنزف، تُنجب من يضمد جراحها.
سيظل دور أطباء ميدان التحرير وكنيسة قصر الدوبارة ومسجد عمر مكرم شاهدًا على زمن انتصر فيه الضمير، زمن أثبت أن الوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل بالأيادي التي تمسح الدم، والقلوب التي تختار أن تنحاز للإنسان، مهما كان الثمن.
أنتم علامة مضيئة في ذاكرة الوطن، تهمس للأجيال القادمة أن الإنسانية لا تُهزم، وأن الوطن يُشفى حين يتكاتف أبناؤه، وحين يُكتب تاريخه بضمير حي ويدٍ تمتد بالرحمة قبل أي شيء آخر.
وسيظل ميدان التحرير شاهدًا على لحظة نادرة، حين انحنت القلوب قبل الرؤوس، وحين صار الطب صلاة، وصار المسجد والكنيسة بيتًا لكل جريح.
رابط المقال المختصر:






