حين تختل البوصلة:الوعي المصري بين ثبات العداء وإرباك الإقليم
يصبح التعاطف مع إيران، في لحظة اشتباكها مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، انعكاسًا مباشرًا لهذا الثبات، لا تعبيرًا عن اصطفاف استراتيجي معها

لا يمكن قراءة الموقف الشعبي المصري من الحرب الدائرة في الإقليم بوصفه انحرافًا طارئًا عن السياق العربي، ولا باعتباره تعاطفًا أعمى مع إيران، بل هو، في جوهره، تعبير عن ثبات في تعريف العدو، في لحظة اختارت فيها أطراف إقليمية إعادة تعريفه وفق حسابات مختلفة. هنا تكمن نقطة الانفصال الحقيقية، لا بين مصر ومحيطها، بل بين وعي شعبي تشكل عبر عقود من الصراع، وسياسات رسمية أعادت ترتيب أولوياتها تحت ضغط توازنات جديدة.
في العمق، لم تغادر إسرائيل موقعها كتهديد مركزي في العقل الجمعي المصري. هذا ليس خطابًا تعبويًا ولا أثرًا عاطفيًا عابرًا، بل بنية وعي تأسست على تجربة تاريخية كثيفة، من الحروب المفتوحة إلى الاشتباكات غير المباشرة، ومن الذاكرة الوطنية إلى الامتداد الفلسطيني الذي لم ينفصل يومًا عن الوجدان المصري. لذلك، فإن أي محاولة لفرض سردية جديدة تُعيد ترتيب سلم الأعداء، دون معالجة هذا الجذر العميق، تصطدم تلقائيًا برفض صامت، يتجلى في مواقف تبدو، على السطح، متناقضة، لكنها في حقيقتها منسجمة مع هذا التعريف الثابت.
من هنا، يصبح التعاطف مع إيران، في لحظة اشتباكها مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، انعكاسًا مباشرًا لهذا الثبات، لا تعبيرًا عن اصطفاف استراتيجي معها. الفارق جوهري، لكنه يُغفل عمدًا في كثير من التحليلات. فالمصري الذي يرى في إسرائيل خصمًا وجوديًا، لا يحتاج إلى تبني المشروع الإيراني كي يجد نفسه، مؤقتًا، في مساحة تقاطع معه. هذه ليست حالة تحالف، بل حالة تقاطع اضطراري تفرضها طبيعة الصراع كما يُدركه.
لكن هذا لا يلغي حقيقة موازية لا تقل أهمية، وهي أن الوجدان المصري نفسه يرفض، بشكل قاطع، أي استهداف لعواصم عربية أو تهديد مباشر لأمنها. هنا لا نتحدث عن موقف سياسي قابل للمساومة، بل عن امتداد اجتماعي وإنساني عميق. مصر، تاريخيًا، لم ترَ نفسها منفصلة عن محيطها العربي، لا جغرافيًا ولا بشريًا. لذلك، فإن أي صاروخ يسقط على مدينة عربية، يُقرأ في الداخل المصري كجرح قريب، لا كحدث بعيد. هذه الازدواجية الظاهرية، تعاطف مع إيران في مواجهة إسرائيل، ورفض لضرب الدول العربية، ليست تناقضًا، بل تعبير عن وعي مركب يميز بين مستويات الصراع ولا يختزلها في معادلة واحدة.
غير أن زاويةً أخرى في هذا المشهد يجري تجاهلها عمدًا أو تبسيطها، وهي طبيعة الأهداف التي تضربها إيران داخل بعض الدول العربية. فالمعطيات الميدانية، في كثير من الحالات، تشير إلى أن الاستهداف لا يتجه إلى هذه الدول بوصفها كيانات وطنية مستقلة، بل إلى ما تعتبره طهران امتدادًا للوجود الأمريكي داخلها، من قواعد عسكرية، وتمركزات لوجستية، ومصالح استراتيجية مرتبطة بالبنية العسكرية والاقتصادية الأمريكية. هذا التمييز، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، يعيد صياغة المشهد من كونه صراعًا إيرانيًا عربيًا مباشرًا، إلى كونه اشتباكًا مع نفوذ دولي يتموضع داخل الجغرافيا العربية.
لكن الإشكالية لا تنتهي عند هذا الحد، لأن النتائج على الأرض لا تعترف دائمًا بنقاء النوايا أو دقة الأهداف. فحين تُضرب قاعدة عسكرية داخل دولة عربية، فإن السيادة تُمس، والرسائل السياسية تصل إلى الدولة المضيفة قبل غيرها، حتى لو لم تكن هي الهدف الأصلي. هنا تتداخل المستويات، ويتحول الاشتباك مع الوجود الأمريكي إلى ضغط مباشر على الدول التي تستضيفه، سواء أرادت ذلك أم وجدت نفسها فيه بحكم تحالفاتها.
ومن ثم، فإن اختزال المشهد في معادلة “إيران تضرب العرب” هو تبسيط مخل، كما أن تبرئة الفعل بالكامل بوصفه “استهدافًا حصريًا لأمريكا” يتجاهل كلفة هذا الاشتباك على الدول والمجتمعات العربية. الحقيقة الأكثر تعقيدًا تقع في المساحة بينهما، حيث تُستخدم الجغرافيا العربية كساحة صراع، وتدفع الدول ثمن تموضعها، فيما تبقى الشعوب عالقة بين تعريفات متضاربة للعدو، وميدان لا تملك التحكم الكامل فيه.
الإشكالية تبدأ حين يُطلب من هذا الوعي أن يُعيد تعريف نفسه وفق معادلات لم يُسهم في صياغتها. حين تُدفع بعض الدول العربية إلى التموضع في خندق واحد مع إسرائيل، تحت عنوان مواجهة إيران، فإنها لا تعيد فقط ترتيب تحالفاتها، بل تعيد، موضوعيًا، تشكيل صورة العدو في المنطقة. هنا، يظهر الخلل. ليس لأن الخلاف مع إيران غير مشروع، بل لأن إدارة هذا الخلاف جرت بطريقة جعلت من العدو التاريخي شريكًا، ومن الخصم الإقليمي تهديدًا وجوديًا بديلًا، دون المرور بمسار طبيعي يعيد بناء هذا التعريف في وعي الشعوب.
المفارقة الأكثر حدة أن المسار الذي اتخذته بعض هذه الدول في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل اتسم بدرجة عالية من الجرأة والسرعة، بل والترويج، في حين بقيت قنوات التهدئة أو إعادة التوازن مع إيران محدودة، أو مشروطة، أو حتى مغلقة. هذا التباين لا يُقرأ في الوعي الشعبي كسياسة براغماتية، بل كاختلال في ترتيب الأولويات. فإذا كان بالإمكان الانتقال من حالة العداء إلى الشراكة مع إسرائيل، فلماذا يُستبعد، أو يُؤجل، مسار مشابه، ولو جزئيًا، مع إيران، خاصة وأن كلفة الصراع معها تُدفع، في كثير من الأحيان، على أرض عربية؟
في هذا السياق، يتحول الموقف المصري الشعبي إلى مرآة تكشف هذا الاختلال. هو ليس موقفًا مكتملًا، ولا خاليًا من التناقضات، لكنه يحمل مؤشرًا بالغ الدلالة، أن تعريف العدو لم يُحسم بعد، وأن أي محاولة لفرض حسم قسري من أعلى، دون توافق مع هذا الوعي، ستبقى محدودة التأثير، مهما امتلكت من أدوات إعلامية أو سياسية.
الأخطر في المشهد ليس استمرار هذا التباين، بل تجاهله. لأن الفجوة بين ما تراه الشعوب تهديدًا وجوديًا، وما تتعامل معه بعض السياسات كملف قابل لإعادة التعريف، تفتح المجال أمام مزيد من الارتباك الاستراتيجي. وفي بيئة إقليمية مشبعة بالصراعات، يصبح هذا الارتباك عامل ضعف مركزي، يُستثمر خارجيًا قبل أن يُعالج داخليًا.
الخلاصة أن ما يجري ليس مجرد خلاف في المواقف، بل صراع على تعريف الصراع نفسه. بين من يرى أن البوصلة يجب أن تبقى موجهة نحو إسرائيل باعتبارها التهديد الأعمق، ومن يعيد توجيهها نحو إيران باعتبارها الخطر الأكثر إلحاحًا. وبين هذين التعريفين، تقف شعوب، وفي مقدمتها المصريون، محاولة التوفيق بين وعي تاريخي لم يتغير، وواقع إقليمي يتغير بسرعة، دون أن يقدم تفسيرًا مقنعًا لهذا التغير.
وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال من مع من، بل: من هو العدو فعلًا، وعلى أي أساس يُعاد تعريفه. لأن الإجابة عن هذا السؤال، لا تحدد فقط شكل التحالفات، بل ترسم ملامح الصراع كله، وتحدد اتجاهه، وربما نهايته.






