مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

جلود المثقفين؟

وتحول بعض هؤلاء المثقفين إلى ما يشبه «كُدّاب الزفة»، يوبّخون الغاضبين ويشرحون لهم – من علٍ – أن المسألة علمية وإنسانية واقتصادية، وأن من يعترض إنما يرفض التقدم

مشاركة:
حجم الخط:

بينما ينشغل العالم بتطوير الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء، ومواجهة المخاطر الوجودية، تتفتق من حين لآخر أذهان بعض “ممثلي الشعب – بحكم الأمر الواقع – باجتهادات تبدو وكأنها هبطت علينا من كوكبٍ لا يعرف شيئًا عن طوابير الخبز ولا فواتير الكهرباء والغاز وأسعار العلاج ،وكانت آخر هذه «الابتكارات» اقتراحًا يدعو الناس بحماسة منقطعة النظير، إلى التبرع بالجلود الآدمية بعد الوفاة، حرصًا – كما قيل – على توفير أو جلب ملايين الدولارات إلى خزينة الدولة.
أنا شخصيا لم أندهش كثيرًا. فالفكرة، في جوهرها، ليست استثناءً من سياق عام، بل هى امتداد طبيعي لفلسفة متغولة، ترى النجاح رقمًا في خانة الإيرادات، وتختزل كرامة الإنسان في بندٍ قابل للتسعير، وفي ظل هذا المناخ، تحولت الخدمات العامة من حقوق إلى «مشروعات»، ومن التزامات اجتماعية إلى مراكز ربح وخسارة. العلاج، التعليم، السكن، النقل، بل حتى دور العبادة،فالكل بات يقاس بميزان العائد، فإن ربح بقى، وإن خسر أُغلق أو أُعيد «هيكلته» أو تم التخلص منه كما تم التخلص من مصنع الحديد والصلب،
الذى كان ينقصنا بالفعل أن يُستكمل المشهد،فما دمنا قد بعنا ما فوق الأرض وما تحتها، فلماذا لا نلتفت – أخيرًا – إلى ما تحت الجلد؟ هكذا، وبمنطقٍ اقتصادي صرف، يصبح الجسد نفسه أصلًا استثماريًا مؤجلًا إلى ما بعد الوفاة. حياة المواطن مُرهقة، وموته أيضًا فرصة.

المفارقة المؤلمة أن هذا الطرح جاء في وقتٍ تتكدّس فيه الأسئلة الثقيلة: كيف نواجه غلاءً ينهش الدخول؟ كيف نخلق فرص عمل حقيقية؟ كيف نعيد الاعتبار لمنظومة تعليم وعلاج تئن تحت الضغط؟ كيف ننتقل من اقتصادٍ يلهث وراء الموارد الطارئة إلى اقتصادٍ ينتج غذاءه ودواءه ويصون حدوده وموارده و كرامة مواطنيه؟
لكن بدلًا من مساءلة السياسات أو مناقشة البدائل، انزلق النقاش إلى جلدٍ يُسلخ، حرفيًا هذه المرة، من جسدٍ أنهكته الحياة.

الأشد غرابة أن بعض المثقفين – أصحاب الجلود السميكة فعلًا – وجدوا في الاقتراح فرصة ذهبية لإلقاء محاضرات إنشائية متقعرة عن «تخلّف» المجتمع و«سطحية» الناس، وسارعوا إلى التلميح بأن الاعتراض سببه موروثات دينية أو تصورات تقليدية، وكأن المشكلة في حساسية الناس تجاه أجساد موتاهم، لا في ترتيب الأولويات أو في الرسالة الرمزية التي يحملها الطرح ذاته.
وتحول بعض هؤلاء المثقفين إلى ما يشبه «كُدّاب الزفة»، يوبّخون الغاضبين ويشرحون لهم – من علٍ – أن المسألة علمية وإنسانية واقتصادية، وأن من يعترض إنما يرفض التقدم. هكذا، بدل أن ينشغلوا بمساءلة من اقترح، انشغلوا بتقريع من استنكر.
غير أن الناس – ببساطة – كانوا أكثر عمقا،ففهموا ما وراء الكلمات، وأدركوا أن القضية ليست تقنية طبية، ولا جدلًا فقهيًا، بل تتعلق بمحتوى أعمق، يرون من خلاله إنه عندما تضيق الخيارات، إلى حد التفكير في جلد الموتى، كموردٍ اقتصادي، فما الذى تبقى من صورة الدولة التي يفترض أنها تحمي الأحياء قبل أن تستثمر في الراحلين !؟
السخرية هنا ليست في الفكرة وحدها، بل في المناخ الذي جعلها ممكنة. والمأساة ليست في جلدٍ قد يُتبرع به، بل في جلودٍ اعتادت التكيف مع كل شيء، حتى صارت لا تشعر بوخز الأسئلة الكبرى.

شارك المقال: