مقالات

السينما حكايات شعبية

بينما استمر صاحب الصوت الجهورى يحلل ويفند الفيلم تلو الفيلم والجميع علي رؤسهم الطير والمفاجأة ان الميكانيكي خاصتنا وجدناه وسط جمهور السينما الجالس في (انس الوجود )

مشاركة:
حجم الخط:

السينما حكايات شعبية
سرحانوف

سينما البسطاء

للوهلة الاولي قد يبدو العنوان خطأ فلنتجاوز قليلا

ولكن اذا نطرح سؤالا بسيطا علي النقاد السينمائيين والمهتمين بالسينما تحت عنوان ما هو الفيلم السينمائي الايقونة؟ فقد ترتبك الاجابات بين عدة اتجاهات فنية وسينمائية ونتوه الي حد ما – وهذا يحدث دائما – فينتهي الامر الي ايجاد قوائم تحت مسميات احسن 100 فيلم عربي او قائمة العشر افلام الاكثر فنا في التاريخ العالمي.

هكذا تتسع رقعة البحث عن صيغة اجابة لسؤال قد يبدو بسيطا وان كان في داخله تعقيد كبير فلايمكن حصر افضل افلام السينما في قائمة من عشرة افلام او مائة او اكثر وربما يكون طرح هذا العنوان سطحي، لكن خلال السنوات التي عملت فيها في الحقل الفني والسينما تحديدا ، أدركت أن الكثير من الناس ، حتى أولئك الذين لديهم اهتمام ثقافي حقيقي بالفن، لا يعرفون حقا ‘أين يبحثون’ عن قائمة افضل افلام السينما فاذا تراوحت الاجابات بين قصة جيدة او تصوير سينمائي عظيم، او اخراج متمكن بالاضافة الي براعة التمثيل فهذا وحده لا يعطي فيلما تميزا عن اخر برغم انه في الحقيقة كل هذه العناصر يمكن ان تساهم في تعزيز القيمة الفنية والثقافية للفيلم ولكنها في نفس الوقت لاتضعه في مكانه الصحيح او تميزه عن اخر .

البحث عن أفضل 100 فيلم 

في هذا الصدد ومنذ فترة الخمسينيات بدأ معهد الفيلم البريطاني سنة 1952 فكرة جديدة تتمثل في مطالبة النقاد بتسمية أعظم الأفلام في كل العصور. أصبح التقليد ان نقيم الافلام تاريخيا كل عشر سنوات ، وازداد حجمه ومكانته مع مرور العقود واشرف علي هذه القوائم قسم يسمي نقاد الصوت والصورة بمعهد الفيلم البريطاني . وظل هذا الاستطلاع رائدا رئيسيا للراي النقدي حول السينما وانتشر بعد ذلك في كل الكرة الارضية وظلت قوائم معهد الفيلم البريطاني حتي يومنا هذا علي راس كل القوائم المقلدة لها واصبح ثابتا تكوين قائمة سنوية لاربعين فيلما يعتبرها النقاد احسن افلام العالم.

لذا فإن هذه القائمة تهدف إلى منح أي شخص مهتم الفرصة لمشاهدة أربعين فيلما ، تنتمي الي جميع الخصائص الفريدة للسينما التي تجعلها ذروة المسعى الثقافي البشري للسينما. والقائمة معززة بشرح يدعوك لرؤية ما وراء قصة الفيلم وموضوعه وإلى أبعاده التعبيرية.

فيلم تيتانيك

ما رواء القصة

وأن ‘رؤية ما وراء القصة’ هو الدرس الأول والأكثر أهمية إذا كان المحتوى كل ما هو مهم في الفن السردي و التعبير السينمائي الذي هو بدوره فن توضيح التعقيد القصصي من خلال الوسائل الفنية واللغة السينمائية. يعطي كل فيلم من هذه الأفلام الأربعين مثالا واضحا على كيفية فهم النوع السينمائي برغم انها ليست اعظم الاربعين فيلما عن اي وقت اخر ولكنها قائمة متجددة تجعلك داخل عالم السينما الفريد الذي لايمكن حصره في فيلم او مائة .

كل ما فات هو النظرة الخاصة بذوات الياقات الزرق من النقاد حتي نصل الي المبدعين من ايقونات السينما من مخرجين ونقاد وعاملين في الحقل السينمائي فماذا عن الطبقات البسيطة والمشاهدين العاديين ورأيهم و نظرتهم الفنية لافلام تعتبر ايقونات سينمائية والتي كثيرا ما تكون خارج الاطر الفنية الاكاديمية والنقدية هؤلاء الذين يسمون بطل الفيلم الواد وبطلة الفيلم البنت ( او البت حبيبته) وانا واحد من هؤلاء العاديين محبي السينما
في اواخر الثمانينيات من القرن الماضى حدث معي ما جعلني لا استسغ اي قائمة افلام مهما كانت جودتها وواضعيها كنت وقتها ابحث عن مكان لاضع قدمي في الوسط الفني.فيلم صراع في الميناء أخراج يوسف شاهين

كل شيء مستعمل

كان الجو باردا في شتاء احد ايام الثمانينيات وملابسنا انا وصديقي ليست بالمناسبة لهذا الجو البارد كنا لانملك رفاهية الملابس الجيدة، في ذلك اليوم كان قد مضي اسبوع علي امتلاكنا سيارة اشتريناها سويا بمبلغ 400 جنية مستعملة من مائة شخص قبل ان تصل الينا وبما اننا فنانين المستقبل فالسيارة لزوم الوجاهة الاجتماعية.

نقف بسيارتنا الجديدة القديمة عند تاجر ملابس مستعملة نبحث عن قطع ملابس متوافقة بحالة جيدة من الوكالة في حي بولاق، كانت حياتنا كلها مبنية علي اي شيء مستعمل وشغفنا الاساسي سينما ومسرح وفن وتمثيل.

اشتدت برودة الجو والسيارة اقسمت ان لا تتحرك من شارع وكالة البلح منطقة كل شيء مستعمل بحثنا عن اقرب تليفون لنستدعي ميكانيكي نعرفه انقذنا كثيرا خلال الاسبوع الفائت من مقالب هذه السيارة التي اصابتنا بالجنون المكتوم داخلنا وعندما رد الميكانيكي بطريقته التي توحي وكأنه البروفيسور طبيب المخ والاعصاب قائلا عبر التليفون انه يحتاج الي اربع ساعات لينتهي مما يقوم به وبعدها سوف ياتي الينا.

استسلمنا للبروفيسور والذي كان يعرف حالتنا المادية الضنك ويتعالي علينا بسيجارته المستوردة وملابسه البورسعيدية المستعملة ايضا ولكنها اعلي جودة من ملابسنا سليلة البالة الاقل درجات عن مثيلاتها القادمة من بالة بورسعيد.

المهم وافقنا علي انتظاره واقترح صديقي ان ننتظره في السيارة اتقاء البرد القارص وكيف ذلك والشباك الخلفي اصلا بلا زجاج بل ويوجد فتحات صغيرة في الارضية يدخل منها سلهوب هواء يصل حتي النخاع بلا اي مقاومة لم نستطع المقاومة.

كنا بجوار دار سينما شعبية ( سينما زارع ببولاق ابو العلا )تغطى واجهاتها من كل الجوانب افيشات افلام كثيرة واغلبها انتاج قديم نوعا ما ولكن لفت انتباهنا الاعلان الضخم المكتوب علي الواجهة الرئيسية بخط فخم مبالغ في حجمه ” ثلاثة افلام عظيمان في بروجرام واحد”

التركيب اللغوى للجملة اضحكنا وقررنا ان ننضم للجمهور فقط لنتقي البرد في انتظارنا للميكانيكي ونتسلي في نفس الوقت بالعظيمان الثلاثة كانت الافلام من بطولة شارلي شابلن فيلم المغامر انتاج 1917، جوليانو جيما فيلم من سلسلة ماشيست انتاج منتصف السيتينيات، الهروب الكبير لستيف ماكوين انتاج 1963 هذا بالاضافة الي الجريدة السينمائية التي كانت مقررة علي دور العرض لفترة طويلة، وفيلم تسجيلي قصير جدا حوالي خمس دقائق عن صناعة القلل الفخارية اذن بقروش زهيدة حصلنا علي الفن والدفا وقاعة انتظار ونوادر سينمائية وجمهور فريد من نوعه في دار السينما التي نندس فيها الان.

شارلي شابلن

هذا الجمهور ابن الحي علي مقربة من دار زارع في الجهة الشمالية مقهي شهير جدا اسمه ( انس الوجود ) يستمد شهرته من مالكه تاجر المخدرات الذي يقال عنه اساطير في الشهامة والجدعنة.

علي الرصيف المقابل لدار العرض (عم البرهامتوشي – اسمه الشخصي فعلا) تاجر الماعز يفترش الارض وحوله الخراف تغني في مأمأه و تناغم مع نفير الباصات والسيارات و البشر المحيطين.

وبالجوار كشرى الجحش الصغير الذي اسبوعيا نسمع ان احدهم تسمم من منتجاته، وعلي بعد امتار دار اخبار اليوم العريقة وشارع الصحافة وعمال الطباعة من هذا الخليط المتجانس المتنافر تم تكوين جمهور دار سينما زارع الذي تشرفنا بصحبته في حفل الثالثة عصرا.

.وعندما خرجنا من الحفلة السينمائية العجيبة كان المساء قد حل واضطررنا للجلوس انتظارا للميكانيكي الذي لم ياتي علي مقهي ( انس الوجود) بعد ان اشترينا ثلاث اطباق من كشرى من الجحش اثنان لنا والثالث لعم البرهامتوشي مقابل حراسته لسيارتنا اثناء الهروب من البرد.

ما لفت نظرى هنا ان جميع من حولنا كانوا جيراننا في السينما ويتحدثون عن الافلام بطريقة النقد الفني الشعبي ينتصرون للبطل ويلومون حبيبته ويحبون ضعفها واكثرهم يتمنون ان ينالوا في الحياة جزء من جمالها وجواهر جسدها .

وكم يمتلأ النقد الشعبي الفني للافلام من مبالغات ولكن الاعجب ان الافلام الثلاثة التي شاهدناها كانت تحكي عن التمرد ومقاومة الظلم والثورة علي كل جبار بل تطرق الحديث القريب منا بين مجموعات المشاهدين الي ان الفيلم (بيقولكم اعملوا ثورة علي اي حاكم ميعجبكمش والعمر واحد والرب واحد )

ساد صمت في كل الاركان الا من تعليق عم البرهامتوشي صاحب الخراف الذي يتابع افلام السينما وكانت كلماته تتوافق مع مفهومة عن الحياة بينما استمر صاحب الصوت الجهورى يحلل ويفند الفيلم تلو الفيلم والجميع علي رؤسهم الطير والمفاجأة ان الميكانيكي خاصتنا وجدناه وسط جمهور السينما الجالس في (انس الوجود )

صاحب الصوت الجهورى صديق مقرب للميكانيكي وانه قبل دعوة صديقه علي السينما لحين ظهور الافندية اصحاب السيارة المهكعة ( يقصدنا بالطبع)

منذ ذلك اليوم وقد مرت ازمنه كثيرة واحداث علي مدار اكثر من 36 سنة صرنا جميعا اصدقاء نلتقي بين الحين والاخر حيث اصبح صديقي قبل ان يتوفاه الله نجما سينمائيا شهيرا جدا.

صاحب الصوت الجهورى والميكانيكي شركاء في ورشة كبيرة يشار لها بالبنان ويظل علي السنتهم في كل لقاء مافعل جوليانو جيما او شارلي او ستيف ماكوين واسماء اخرى كثيرة ولم يستطع ممثل حديث ان يقوم بما يقومون به من ابداع
اتذكر ان احدهم طلبني حديثا ليقول لي انه شاهد اخيرا عن طريق الانترنت ايقونة سينمائية من اخراج المخرج الراحل اشرف فهمي اسمها ( المجهول )

اسعدني منه انه قال كلمة ايقونة سينمائية وكان قبلها يحدثني عن ايقونتان – كما ذكر – عن الديكتاتور العظيم لشابلن والسقا مات لصلاح ابو سيف وختاما انما الايقونات بالاعمال ولكل امرء ايقونته.
سأل احد الصحفيين المخرج الاسطورى اورسون ويلز و هل يمكن ان ينتهي فيلم بدون هذه النهايات السعيد فأجابه ويلز: نعم هذا ممكن في حالة ان تروي قصة غير مكتملة فالسينما هي فن، أكثر من أي فن آخر، يكشف ويضفي آثارا على جوانب مختلفة من حالة الإنسان.

حتى أحلك الأفلام ، إذا كانت رائعة على المستوى السينمائي ، يمكن أن تكون مبتهجة للغاية ، كما هو الحال عنما تروي القصة مكتملة .. ليكتمل وجودك التطهري الذي يصنعه الفن مثلما وضحها ارسطو في فن الشعر وكما فعلتها الثلاثة افلام العظيمان في جمهور سينما زارع ببولاق ابو العلا

شارك المقال: