مقال بوك
حسام عبد الكريم
حسام عبد الكريم

القادمون من الخلف لخلافة المرشد؟

المرشد "الخامنئي" كان العقبة الأكبر أمام تحولات وتغييرات كثيرة وهامة كانت من الممكن أن تغير شكل المنطقة، وكان أكثر الشخصيات الإيرانية تحفظًا وحكمةً وصبرًا

مشاركة:
حجم الخط:

أمل قيادة من الحمائم

قبل اندلاع الحرب الحالية، وعلى مدار سنوات طويلة، إذا قمت بجولة سريعة للاطلاع على تقديرات مراكز الدراسات الغربية، والاستماع إلى لقاءات المحللين والخبراء الغربيين أو هكذا يسمونهم، تكاد لا تجد اختلافًا فيما بينهم في الاتفاق على فرضية اعتبروها مسلمة وحقيقة راسخة، وأراها شديدة التهافت؛ وهي أن التخلص من المرشد الخامنئي سيحدث تغييرًا عميقًا في بنية النظام الإيراني، وسيمثل عملية إزاحة ناجحة للشخصية الأكثر تشددًا وتطرفًا في تاريخ إيران، لصالح تيار الإصلاحيين من الحمائم.

والحقيقة، أن هذا الكلام ليس سوى تفكير بالتمني، وأنا هنا لا أدعي أنني أمتلك الحكمة التي غابت عنهم، ولكن أزعم أن أعداءنا يفتقدون الكثير من الفهم المنضبط لبيئاتنا العربية والإسلامية، وأفكارنا ومعتقداتنا المتماهية مع تراب الأرض التي نقيم عليها، والممزوجة بتاريخ طويل حافل حينما كانت منطقتنا هي مهبط الأديان والرسالات السماوية، ومركز الحضارات في الأرض.

ولا أدل على ذلك، من عدم قدرة ترامب وفريقه على فهم دوافع ومنطلقات المقاومة الفلسطينية في سلوكها وعنادها وصمودها حتى الآن، وعدم استيعابهم لفكرة أن هناك قرابة 100 ألف غزاوي على الجانب المصري ينتظرون العودة إلى أرض غزة المدمرة تمامًا.

علي خامئني الأكثر حكمة وصبر

خلافًا للراسخ لدى أعداء إيران، أزعم أن المرشد “الخامنئي” كان العقبة الأكبر أمام تحولات وتغييرات كثيرة وهامة كانت من الممكن أن تغير شكل المنطقة، وكان أكثر الشخصيات الإيرانية تحفظًا وحكمةً وصبرًا مذمومًا، وليس أكثرها جرأةً ومغامرةً واندفاعًا كما يزعم أعداء إيران وذلك للأسباب التالية:

1. فالخامنئي هو صاحب استراتيجية الصبر الاستراتيجي، فعلى مدار سنوات، لم تقم إيران بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية المهينة لها، طالما لم تقم إسرائيل بالإعلان عن مسؤوليتها رسميًا، ضمن قواعد اشتباك ارتضتها إيران.

فلم تقم إيران في عهده بالرد على اغتيال أبو المشروع النووي العالم “محسن فخر زاده”، ولا الرد على اغتيال أكثر من 20 عالمًا آخرين، ولا الرد عل التفجيرات التي وقعت في مفاعل نطنز أكثر من مرة، ولا الرد المكافيء على اغتيال قاسم سليماني وحسن نصر الله، بل والتكتم على أسباب سقوط طائرة الرئيس الإيراني السابق “إبراهيم رئيسي” الذي تشير كافة المؤشرات والشواهد إلى ضلوع إسرائيل في عملية اغتياله.

مواقف ضخمة 

2. الخامنئي وفق مصادر إيرانية، كان الصوت المرجح الحاسم في قرار انخراط إيران في المشهد السوري، في الوقت الذي كان قرابة نصف دائرة اتخاذ القرار ترفض الانخراط في دعم النظام السوري لسببين وهما: الخلاف التاريخي الطويل والعميق مع بشار الأسد ونظامه، ثم التخوف من دخول إيران “الثورية” في مواجهة ثورة جديدة ناشئة، بشكل يتناقض مع مبادئها وتوجهاتها، وهو ما ترك ندوبًا وجروحًا في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، ولم يعد قابلًا للترميم للأسف.

3. الخامنئي هو أول من رفض انخراط حزب الله في الطوفان، بل وأرسل قائد فيلق القدس “إسماعيل قآني” برسالة عاجلة قبيل خروج حسن نصر الله بخطابه الأول بساعات، خوفًا من تأثير دائرة صنع القرار في الحزب على رأي نصر الله، حيث كانت غالبية المجلس العسكري مع الانخراط الكامل في معركة الطوفان.

ليس هذا فقط، بل وظل الخامنئي معترضًا على انخراط الحزب فيما بعد في المعركة، رغم أن مشاركة الحزب كانت دون السقف المطلوب ولم تواكب مقتضيات الحرب وحتمياته.

نصرالله وسليماني 

4. واجه الخامنئي تحدي كبير مع وجود شخصيتين نافذتين مثل “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الذي كانت له حظوة ونفوذ وسلطات تفوق نفوذ قائد الحرس الثوري نفسه، والسيد حسن نصر الله؛ فكلاهما قائدان يتمتعان بشخصية كاريزمية وتاريخ حافل مبهر وقدرة فائقة على التأثير على الآخرين، وكانت لآرائهما اعتبارًا كبيرًا لديه دون غيرهما من القادة.

وأدعي أنه على الرغم من أن فقدان الاثنين مثل خسارة كبيرة لخامنئي، إلا أن ذلك في نفس الوقت خفف عنه عبئًا كبيرًا، وفتح الطريق لصعود شخصيات أكثر رضوخًا والتزامًا باستراتيجيته، شخصيات تفتقد إلى الحد الأدنى من كاريزما وتأثير سلفيهما، وهما “نعيم قاسم” و”إسماعيل قآني”.

5. الخامنئي هو من دفع حزب الله إلى التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار “المذل”، في ذروة اشتعال الحرب، على الرغم من البلاء الحسن الذي أظهرته قوات الرضوان في مواجهة التوغل الإسرائيلي، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها إسرائيلي على أيدي عناصر الحزب على مدار ثلاثة أسابيع باعترافهم، وبعث برسائل واضحة مع مبعوثيه قبيل التوقيع، تحث الحزب على ضرورة التوقيع على الاتفاق، وهو ما تسبب في وجود سخط واعتراضات واسعة داخل القاعدة العريضة للحزب، سواءً من المدنيين أو العسكريين.

6. الخامنئي هو صاحب فتوى تحريم امتلاك إيران سلاح نووي، وهو البعد الذي لم تتمكن أمريكا من إدراكه أو فهم أبعاده، ففتوى الخامنئي ليست كفتوى شيخ الأزهر، فتوى الخامنئي مقدسة وواجبة ومن غير الممكن مخالفتها عند الشيعة.

الخلاصة:

على عكس ما يعتقد ترامب ونتنياهو، فخلفاء الخامنئي لن يكونوا من التيار الإصلاحي أو الحمائم، بل ربما يكونوا أكثر تشددًا وأكثر جرأةً واندفاعًا منه، وأكثر تماهيًا مع أفكار الـمقاومة وتطلعاتها، وهو ما نراه بوضوح في تصريحات “علي لاريجاني” و “علي رضا أعرافي”، وفي شكل التصعيد الحاد غير المسبوق الذي تقوده القيادة الإيرانية الجديدة، التصعيد الذي عبر ترامب صراحةً عن اندهاشه وصدمته منه.

وربما يأتي اليوم الذي يترحم فيه الأمريكيون على حقبة الخامنئي، ويلعنوا اليوم الذي اغتالوه فيه.

شارك المقال: