مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

أيمن خالد يكتب: من يصنع الحدث ومن يسبق معناه؟

فهم كثير من التحركات الدولية المعاصرة، ومنها التحرك الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران. فالسؤال لم يعد: متى تبدأ الضربة؟ بل: متى تكتمل شروط قبولها؟

مشاركة:
حجم الخط:

الاتصال الاستراتيجي

لم يعد الحدث في عالم اليوم يُولد في الميدان فقط، بل يُولد معه تفسيره، وتُبنى له روايته، ويُحاط بسياج من المعاني قبل أن تتضح نتائجه.

هذه المساحة الرمادية بين وقوع الحدث وفهمه هي ما يُعرف اليوم بـ الاتصال الاستراتيجي؛ المجال الذي تُدار فيه الحروب بالكلمة بقدر ما تُدار بالقوة.

الاتصال الاستراتيجي ليس ترفًا إعلاميًا، ولا مجرد تحسين لصورة سياسية، بل هو جزء من هندسة القرار ذاته. الدولة التي تخطط للحرب أو للضغط أو للتغيير، لا تبدأ بالتحرك العسكري، بل تبدأ ببناء بيئة إدراكية تسمح لهذا التحرك أن يبدو مشروعًا، أو ضروريًا، أو حتى حتميًا. وهنا تتحول اللغة إلى أداة تمهيد، وتتحول الرواية إلى ممر عبور نحو الفعل.

في هذا الإطار، يمكن فهم كثير من التحركات الدولية المعاصرة، ومنها التحرك الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران. فالسؤال لم يعد: متى تبدأ الضربة؟ بل: متى تكتمل شروط قبولها؟ هذه الشروط لا تُصنع في غرف العمليات العسكرية فقط، بل تُبنى عبر خطاب متراكم، وإشارات إعلامية، وتسريبات محسوبة، وإعادة تعريف مستمرة لطبيعة التهديد.

قبل أي مواجهة كبرى، تُطرح أسئلة في الفضاء العام:
هل الطرف المستهدف يشكل خطرًا؟
هل كل الوسائل الأخرى استُنفدت؟
هل التدخل ضرورة أم خيار؟

هذه الأسئلة لا تُترك للصدفة، بل تُدار ضمن ما يمكن تسميته “تأهيل الوعي العام”. وهنا يظهر الاتصال الاستراتيجي كمرحلة تسبق الحدث، لا كتعليق عليه.

لكن السؤال الأهم:

هل يملك الاتصال الاستراتيجي القدرة على تأخير الحدث أو تسريعه؟

الإجابة ليست مطلقة، لكنها واضحة في جوهرها:
الاتصال الاستراتيجي لا يصنع القرار النهائي، لكنه يصنع الظرف الذي يُتخذ فيه القرار.

فإذا لم تكتمل البيئة السردية، قد يتأخر الفعل العسكري، ليس ضعفًا في القدرة، بل انتظارًا لاكتمال الغطاء السياسي والإدراكي.
وإذا تسارعت الرواية، وجرى تثبيت صورة “التهديد العاجل”، فإن ذلك قد يُعجّل بالفعل، ويمنحه مبررًا جاهزًا.

في حالة إيران، يمكن القول إن الاتصال الاستراتيجي لم يكن مجرد مرافِق للتحرك، بل كان جزءًا من تمهيداته. الخطاب حول الخطر، والحديث عن الردع، وتسليط الضوء على التهديدات، كلها عناصر ساهمت في تشكيل صورة مسبقة للصراع. هذه الصورة لا تفرض الحرب، لكنها تجعلها أكثر قابلية للفهم والقبول.

في المقابل، هناك اتصال استراتيجي مضاد، يسعى إلى نزع الشرعية، أو إعادة تعريف الحدث بوصفه عدوانًا لا ضرورة. وهنا ندخل في صراع من نوع آخر: صراع على “المعنى”، لا على الأرض فقط.

في هذه المساحة، لا يكون السؤال: من يملك القوة؟

بل: من يملك القدرة على تفسير استخدام هذه القوة؟

هنا تتبدى أهمية الاتصال الاستراتيجي كأداة لا تقل وزنًا عن الأدوات العسكرية. فهو لا يوقف الحرب بالضرورة، لكنه قد يؤخرها، أو يسرّعها، أو يعيد تشكيل مخرجاتها السياسية.

لقد أصبح واضحًا أن العالم لم يعد يُدار فقط عبر موازين القوة التقليدية، بل عبر القدرة على إدارة الإدراك الجماعي. فالدولة التي تسبق الحدث بروايتها، تقترب من التحكم في نتائجه، حتى لو لم تتحكم في تفاصيله الميدانية.

وهكذا، لم تعد السياسة مجرد صراع على الأرض، بل صراع على الوعي.
ولم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل تُمهَّد بالكلمة، وتُدار بالسردية، وتُحسم أحيانًا في المسافة بين الحقيقة وتفسيرها.

في تلك المسافة تحديدًا، يتحدد شكل العالم… ومن يملك القدرة على توجيهه.

شارك المقال: