علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كاتب وإعلامي

أيامنا الحلوة مش حلوة اوي (10) قلم باركر

لا يعرف الجيل الجديد أقلام الحبر، ولم يستخدمها، وربما لم يرها أصلا، رغم أنها كانت من أهم أدوات الكتابة في أيامنا، وتعلمنا في المدرسة كيف نمسك قلم الحبر

مشاركة:
حجم الخط:

لا يعرف الجيل الجديد أقلام الحبر، ولم يستخدمها، وربما لم يرها أصلا،

رغم أنها كانت من أهم أدوات الكتابة في أيامنا،

وتعلمنا في المدرسة كيف نمسك قلم الحبر،

وكيف نضع سنه على الورق ونحركه برفق،

دون أن نضغط بقوة حتى لا يتضرر السن.

وكنا نتأكد من امتلائه بالحبر قبل الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل،

مثلما نحرص اليوم على شحن هواتفنا قبل الخروج،

فقد كان للقلم خزان داخلي نملؤه من زجاجة الحبر “الدواية”،

وبعدها نمسح السن بالنشافة للتخلص من الحبر الزائد،

حتى لا يلطخ أصابعنا أو يترك بقعا على الورق،

وكنا نحرص على إغلاق القلم بغطائه بعد الكتابة،

لأن تركه مفتوحا يعرض الحبر للجفاف.

قلم الحبر.. عنوان للأناقة والوجاهة

وكانت لاقلام الحبر ماركات لها اسمها وبريقها مثل: “باركر”، و”شيفر”، و”بليكان”، و”كروس” وغيرها،

وكان “باركر” أشهرها، لكن الأصلي منه كان غالي الثمن،

لذلك كنا نلجأ إلى الأقلام الصيني المقلدة له،

المهم أن يكون معنا قلم شكله مثل “باركر”،

حيث لم يكن القلم الحبر مجرد أداة للكتابة، بل كان ايضا وجاهة .

وكانت توجد أقلام فاخرة ذات سنون من الذهب او الفضة،

وكانت من علامات الثراء والفخامة،

التي يستخدمها كبار الموظفين بالدولة، ورجال الأعمال.

وفي زمن كان الرجال يهتمون فيه بالأناقة،

كان قلم الحبر جزءا من أناقة الرجل،

يوضع في الجيب العلوي لجاكت البدلة، فيظهر طرفه أو مشبكه الذهبي أو الفضي،

فيضفي على المظهر لمسة من الشياكة والرقي،

لذلك كانت الأقلام الفاخرة هدية ثمينة،

تعيش سنوات طويلة، يحتفظ بها الأب ثم تنتقل إلى أبنائه.

وكانت الكتابة بقلم الحبر لها متعة خاصة

فقد كان القلم ينزلق على الورق بسلاسة ونعومة،

فتشعر أن يدك تكتب وكأنها تعزف، كما كان يجبرك على التمهل والدقة في الكتابة،

والانتباه الي شكل الحروف وانتظام السطور والمسافات بين الكلمات

فكانت للحروف ملامح مميزة، والخط نفسه كانت له روح وشخصية،

لذلك كان استخدام القلم الحبر يساعد الناس على تحسين خطوطهم واجادة الكتابة.

والحقيقة أن أيامنا مع قلم الحبر كانت حلوة، لكن مش حلوة أوي،

فالحبر السائل كان غدارا؛ فقد يتسرب فجأة من القلم فيبقع الورق والكراريس ويصبغ ملابسنا،

وقد يجف داخل القلم فيتوقف عن الكتابة في لحظة حرجة،

وقد تسقط دواية الحبر نفسها فينسكب ما بداخلها على أرضية المدرسة فتفسدها،

او تنسكب في البيت فتلطخ السجاجيد.

معركة الحبر التي تحولت إلى ورطة لا تُنسى

وبمناسبة دواية الحبر اتذكر معها موقفا صعبا:

ذات مرة، عندما كنت طفلا في المدرسة الابتدائية،

وقبل دقائق من دخول مدرس الحصة الاخيرة كنت انا وزميلي الذي يجلس بجواري في الفصل نتبادل المزاح،

وتطور الامر بيننا الي مزاح ثقيل

فخطف قلمي من فوق الديسك،

وكلما حاولت استرداده منه يرفعه عاليا مهددا باسقاطه وتحطيمه،

ضقت بتصرفاته فضربته بشنطتي المدرسية علي وجهه،

ولأنه كان يرتدي نظارة طبية،

أطاحت الضربة بالنظارة من على وجهه، فسقطت على الأرض،

وانكسرت فجن جنونه، وأمسك بدواية الحبر وقذفها نحوي بقوة،

وفي لحظة واحدة، كان الحبر قد أغرق قميصي المدرسي كله،

وجزءا من البنطلون، فاشتعل الموقف بيننا الي اشتباك بالأيدي والارجل وتبادل اللكمات..

اثناء محاولة باقي التلاميذ فض الاشتباك بيني وبينه،

دخل المدرس الفصل، وفوجئ بما حدث،

فما كان منه إلا أن أمسك بالمسطرة، وضرب كل منا على ظهر يديه عدة ضربات مؤلمة،

ثم أوقفنا في مواجهة الحائط رافعين أيدينا طوال الحصة، ليكمل عقابنا على ما حدث.

كنت في ورطة اكبر من عقاب المدرس،

فقد شغل بالي وقتها سؤالان:

ماذا سأقول لأبي وأمي عندما أعود إلى البيت بهذا المنظر؟

والأهم، كيف سأمشي في الشارع والناس تراني بالقميص والبنطلون الملطخين بالحبر؟

فكرت قليلا واهتديت الي حل ينقذني من المشي في الشارع بهذه الملابس

ويؤجل المواجهة الصعبة مع أبي وأمي إلى حين أعود اليهما بملابس نظيفة،

حيث قررت الذهاب الي بيت زوج عمتي الذي كان وراء المدرسة مباشرة،

وبالفعل ذهبت الي هناك، لكن ما إن رأتني عمتي بهذا المنظر حتى انزعجت بشدة وبدأت تلومني،

ثم خلعتني القميص والبنطلون وحتى الشراب،

ونقعتهم في ماء ساخن مضاف اليه مسحوق الغسيل،

وبعدها نشرتهم علي سطح البيت تحت اشعة الشمس.

انتظرنا حتى جفت الملابس،

ثم كوتها عمتي بالمكواة، لكن آثار الحبر ظلت واضحة،

ولأن الوقت تأخر، ولم تكن هناك تليفونات أيامها لأخبر أهلي بأنني عند عمتي،

لم يعد أمامي مفر من العودة إلى البيت ومواجهة ما ينتظرني..

رجعت متسللا إلى البيت،

حتي لا يراني أحد، لكن أمي لمحتني، فقالت: “شكلك عملت مصيبة علشان داخل زي الحرامية”

وما إن وقعت عيناها على بقع الحبر في القميص حتى صرخت:

“يا نهارك أسود، إيه ده؟ أكيد اتخانقت مع العيال في المدرسة،

والنبي لو أبوك شافك حيطين عيشتك”..

ثم خلعت الشبشب لتضربني به،

فجريت منها، لكنها لحقت بي وأمسكتني،

وانتزعت قميصي الملطخ بالحبر، وأسرعت بإخفائه قبل أن يراه أبي،

ثم أخرجت قميصا قديما لأخي الأكبر،

كان يرتديه أيام دراسته في المدرسة نفسها،

قبل انتقاله إلى المرحلة الإعدادية،

وقالت لي أرتديه بالتبادل مع القميص الآخر..

فأيامها، كان لكل تلميذ قميصان وبنطلونان فقط من الزي المدرسي،

يتبادل ارتداءهما طوال العام، ولم يكن هناك مجال لشراء قميص جديد.

مع مرور السنوات، ظهر القلم الجاف، فكان أسهل في الاستخدام

لا يحتاج إلى دواية ولا تعبئة بالحبر

ولا تنظيف مستمر، فاختفي تدريجيا من حياتنا قلم الحبر والدواية، والسنون، والنشافة،

لكن اختفت معهم متعة الكتابة علي الورق، وتراجعت مهارة الكتابة بخط جميل.

كما اختفت الوجاهة واناقة بدلة الرجل،

واختفت ايضا تلك الفرحة التي لا يعرفها جيل اليوم،

حين كنا نذهب إلى المدرسة وفي أيدينا قلم حبر جديد ماركة “باركر”،

فنمسكه بفخر حتي لو كان تقليدا، ونتباهي به امام زملائنا قائلين بسعادة: “معايا قلم باركر”.

شارك المقال:

شاركنا برأيك