أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (1)
بعد 1953 أصبحت العلاقة بين واشنطن وطهران وثيقة للغاية. تسلحت إيران بالسلاح الأمريكي، وتعاونت أمنيًا واستخباراتيًا مع الولايات المتحدة، وأصبحت في عهد الشاه قوة إقليمية رئيسية داخل النظام
السؤال الذي يطرح نفسه هل الثورة الإيرانية هي سبب الحرب على إيران؟
من مصدق إلى أفغانستان… كيف بدأ الصراع على الاستقلال؟
لماذا تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم حربًا ضد إيران، ويُفرض عليها حصار اقتصادي ومالي وعسكري، وتُحاصر قدرتها على بيع نفطها والتحرك في محيطها الإقليمي؟
هل المسألة هي البرنامج النووي ؟ هل هي الصواريخ؟ هل هي إسرائيل؟
أم أن وراء كل ذلك قصة أقدم بكثير، بدأت قبل أن تمتلك إيران برنامجًا نوويًا، وقبل أن توجد الجمهورية الإسلامية أصلًا؟
لفهم ما يحدث اليوم، لا ينبغي أن نبدأ من طهران عام 2026، وإنما من طهران قبل أكثر من سبعين عامًا.
مصدق: عندما أصبحت ملكية النفط مسألة سيادة
في مطلع الخمسينيات وصل محمد مصدق إلى رئاسة الحكومة الإيرانية في سياق دستوري (كان عضوا في البرلمان الإيراني ممثلا عن طهران ) واتخذ القرار الذي غيّر تاريخ إيران الحديث: تأميم صناعة النفط الإيرانية التي كانت تهيمن عليها شركة النفط الأنجلو-إيرانية.
لم يكن الصراع يومئذٍ بين «الإسلام السياسي» والغرب.
لم يكن هناك خميني في السلطة
ولم يكن هناك حزب الله.
ولم يكن البرنامج النووي الإيراني هو القضية.
كانت القضية الأساسية هي: من يملك موارد إيران، ومن يحدد اتجاهها السياسي؟
في أغسطس 1953 وقع الانقلاب الذي أطاح بمصدق، في عملية شاركت فيها الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وعاد الشاه رضا بهلوي أكثر قوة، وأصبحت إيران خلال العقود التالية أحد أهم أعمدة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
هذه اللحظة مهمة، لأنها توضح بما لا يدع مجالا للشك إن مشكلة الاستقلال الإيراني عن السياسة الغربية أقدم من الجمهورية الإسلامية نفسها أي أن المشكلة هي استقلال قرار أي دولة إسلامية عن الهيمنة الغربية.
الشاه: إيران داخل النظام الأمريكي
بعد 1953 أصبحت العلاقة بين واشنطن وطهران وثيقة للغاية.
تسلحت إيران بالسلاح الأمريكي، وتعاونت أمنيًا واستخباراتيًا مع الولايات المتحدة، وأصبحت في عهد الشاه قوة إقليمية رئيسية داخل النظام الذي أقامته واشنطن لاحتواء الاتحاد السوفيتي وحماية المصالح الغربية والنفطية في الخليج.
لهذا لم تكن ثورة 1979 مجرد تغيير رئيس بآخر.
لقد أسقطت موقع إيران كله داخل النظام الإقليمي الأمريكي.
هنا تكمن أهمية ما حدث.
1979: السنة التي تغير فيها كل شيء
في عام 1979 نجحت الثورة الإيرانية، وسقط الشاه، وعاد الخميني إلى طهران.
لكن النظر إلى الثورة باعتبارها مجرد «ثورة شيعية» يحجب جزءًا أساسيًا من صورتها التاريخية.
لقد قدمت نفسها في ذلك الوقت بوصفها ثورة إسلامية ضد الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، ورفعت شعارات الاستقلال، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ونصرة المستضعفين.
لذلك لم يكن تأثيرها محصورًا في الشيعة.
كان العالم الإسلامي كله يعيش ما سمي آنذاك بـ«الصحوة الإسلامية»، وكانت قطاعات واسعة من الشباب تبحث عن الإسلام بوصفه مرجعية تتجاوز الأنظمة القومية التي أخفقت في فلسطين والتنمية والاستقلال.
فجأة ظهرت أمام هذا الشباب تجربة تقول:
يمكن إسقاط نظام شديد القوة.
يمكن إسقاط حاكم تدعمه الولايات المتحدة.
يمكن إقامة دولة تعلن أنها تستمد مشروعيتها من الإسلام وترفض التبعية لواشنطن.
سواء اتفقنا مع النظام الذي نتج عن الثورة الإيرانية أم اختلفنا معه، فإن الأثر السياسي والنفسي لهذا الحدث كان هائلًا.
ولذلك لم يكن الخوف من إيران وحدها.
كان هناك خوف من قابلية المثال للانتقال.
أو بمعنى آخر انتشار المد الثوري في ربوع المنطقة.
ثم جاءت أفغانستان
في السنة نفسها حدث تحول آخر بالغ الأهمية:
غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 1979.
كان الهدف الاستراتيجي الأبرز للاتحاد السوفياتي هو تأمين منفذ إلى المياه الدافئة والمحيط الهندي.
وبعد الثورة الإسلامية في إيران ، تصاعد الخوف السوفيتي من أن تنتقل “العدوى” الإسلامية أو الحركات الانفصالية إلى آسيا الوسطى، خاصة مع تصاعد المقاومة الإسلامية ضد الحكومة الأفغانية المدعومة من موسكو.
رأت القيادة السوفيتية أن الفوضى في أفغانستان قد تهدد استقرار جنوبها بالكامل.
رأت الولايات المتحدة فرصة تاريخية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي، فتحولت المقاومة الأفغانية تدريجيًا إلى واحدة من أكبر العمليات السرية في الحرب الباردة.
تكونت شبكة دولية واسعة شاركت فيها، الولايات المتحدة وباكستان والسعودية ومصر، و إسرائيل ، كما شاركت الصين أيضا.
تروي تفاصيل هذه الشبكة مصادر أمريكية عديدة
من أشهر الروايات الصحفية عنها كتاب جورج كرايل:(حرب شارلي ويلسون) Charlie Wilson’s War (تحول إلى فيلم بنفس الاسم (2007)بطولة: توم هانكس ، جوليا روبرتس ،وإخراج: مايك نيكولز)
تظهر فيه شخصية عضو الكونغرس الأمريكي تشارلي ويلسون، وعلاقته بعملية CIA السرية، واتصالاتها بمصر وإسرائيل وباكستان والسعودية في بناء منظومة التسليح للمجاهدين الأفغان.
لماذا كان السلاح السوفيتي مهمًا؟
كانت أمام واشنطن مشكلة دقيقة:
كيف تسلح من يقاتلون الجيش السوفيتي من دون أن تتحول الحرب إلى مواجهة عسكرية أمريكية–سوفيتية مباشرة؟
كانت الحرب الباردة محكومة بمنظومة من الردع المتبادل والتفاهمات التي هدفت إلى منع الصراع بين القوتين من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ولا سيما بعد الاتفاق الأمريكي–السوفيتي عام 1973 بشأن منع الحرب النووية، الذي أكد ضرورة تجنب المواقف التي يمكن أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية خطرة.
هنا أصبحت هوية السلاح نفسه جزءًا من إدارة الحرب
لم تكن واشنطن تريد ، أن يظهر المقاتل الأفغاني حاملًا سلاحًا أمريكيًا يمكن تتبع طريقه مباشرة إلى الولايات المتحدة.
كان المطلوب تسليح حرب مع إبقاء البصمة الأمريكية بعيدة. ومن هنا اكتسب السلاح السوفيتي أهمية استثنائية.
لكن من أين تحصل الولايات المتحدة على سلاح سوفيتي بكميات كبيرة؟
هنا ظهرت أهمية شبكة الحلفاء.
مصر: ترسانة سوفيتية داخل المعسكر الأمريكي
كانت مصر حالة مثالية.
فقد بنت القوات المسلحة المصرية جانبًا كبيرًا من ترسانتها على السلاح السوفيتي.
ثم تغير اتجاه مصر الاستراتيجي في عهد أنور السادات، وأصبحت القاهرة قريبة من الولايات المتحدة، بينما بقيت لديها مخزونات ضخمة من الأسلحة والذخائر السوفيتية.
هكذا تحولت مفارقة تاريخية إلى فرصة استراتيجية:
الدولة التي سلحها الاتحاد السوفيتي لسنوات أصبحت أحد مصادر السلاح المستخدم ضد الجيش السوفيتي نفسه.
وتكشف وثيقة لـCIA من يونيو/حزيران 1980 صورة تكاد تختصر شبكة الإمداد كلها:
السلاح يخرج من مصر.
تنقله طائرات نقل عسكرية أمريكية من طراز C-141 إلى الظهران في السعودية.
ثم تحمله طائرات C-130 سعودية إلى إسلام آباد.
ومن باكستان يبدأ الطريق إلى داخل أفغانستان.
لم تعد أمامنا إذن عملية ثنائية بين أمريكا والمجاهدين.
أمامنا سلسلة دولية متكاملة لإدارة الحرب.
إسرائيل أيضًا
كانت إسرائيل تمتلك بدورها كميات كبيرة من الأسلحة السوفيتية التي استولت عليها من الجيوش العربية والفصائل المسلحة في حروب مختلفة.
وكانت حرب يونيو/حزيران 1967 مصدرًا مهمًا لهذه الترسانة، ثم أضيفت إليها أسلحة أخرى في حرب 1973 ومواجهات لاحقة.
ثم، في سياق الحرب الأفغانية، أصبحت مصادر السلاح السوفيتي المغتنم ذات قيمة، لأنها تحقق الغرض نفسه: تسليح من يقاتلون موسكو دون أن يكون مصدر السلاح الظاهر هو المصانع الأمريكية.
هنا تظهر واحدة من مفارقات التاريخ
أسلحة سوفيتية أُرسلت أصلًا لتسليح جيوش عربية، وبعضها استولت عليه إسرائيل في حروبها مع العرب، دخلت لاحقًا ضمن الشبكات التي سلحت مجاهدين مسلمين يقاتلون الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.
شبكة لا دولة واحدة
من هنا يمكننا أن نتصور شبكة العملية الأفغانية، وكيف أدارت الولايات المتحدة الحدث (الغزو السوفياتي لأفغانستان)وكيف حققت منه اقصى استفادة بدون أي تكلفة تقريبا.
الولايات المتحدة: التخطيط، والاستخبارات، وإدارة العملية السرية، وجزء من النقل.
السعودية: التمويل، والتسهيلات، والنقل، والغطاء السياسي والديني.
مصر: مصدر للسلاح السوفيتي والذخائر والخبرة.
إسرائيل: أحد المصادر للأسلحة السوفيتية المغتنمة والخبرة المتعلقة بها.
الصين ودول أخرى: مصادر إضافية للسلاح.
باكستان: البوابة الجغرافية، والاستقبال، والتدريب والتوزيع عبر الاستخبارات الباكستانية.
المجاهدون الأفغان والعرب: القوة التي تخوض الحرب على الأرض.
هذه هي إدارة الحدث التي ينبغي أن نفهمها.
فالهيمنة لا تعني أن تصنع الدولة العظمى كل شيء بنفسها.
لا تعني أن كل رئيس أو ملك يتلقى أمرًا مباشرًا من البيت الأبيض.
الهيمنة الأكثر كفاءة هي امتلاك شبكة من العلاقات والتحالفات والمال والسلاح والاستخبارات والنقل تسمح للدولة المركزية بأن تجمع قدرات دول مختلفة حول هدف استراتيجي للمركز.
هذا ما جعل أفغانستان أكثر من مجرد مقاومة محلية للاحتلال السوفيتي.
لقد أصبحت ساحة دولية لإدارة استنزاف الاتحاد السوفيتي.
لكن السلاح لم يكن وحده الذي ذهب إلى أفغانستان
ذهب البشر أيضًا.
هنا تبدأ القصة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي. وهذا ما سنكمله في الجزء الثاني إن شاء الله
شاركنا برأيك