أحمد رجب شلتوت يكتب: حينما يعيد الإبداع صياغة الهوية
هوية الستينيات، المثقلة بأسئلة المشروع الوطني والالتزام، تختلف عن هوية الثمانينيات والتسعينيات، حيث يتراجع العام لصالح الذاتي، ويتحول السؤال من «من نحن؟» إلى «من أنا وسط هذا التفتت؟"

يضع الناقد “شوقي عبد الحميد يحيى” الإبداع في قلب سؤال الهوية: كيف تتشكل الذات؟
وكيف تعبّر عن نفسها حين يعجز الواقع عن احتوائها؟
وفي كتابه «لماذا نبدع؟ .. الهوية في الرواية والقصة» (دار أزهى، القاهرة، 2026)، يربط بين الإبداع والهوية التي يراها كيانا متحوّلا يتشكل عبر الصراع بين الداخل والخارج، بين الرغبة والقيد، وبين الفردي والجمعي.
في هذا السياق، ينشغل النص الأدبي بمحاولة إعادة صياغتها داخل الخيال حين تستحيل صياغة الهوية في الواقع، ولهذا يستدعي الكتاب التحليل النفسي، كأداة لفهم علاقة الإبداع بالكبت، وبالطفولة، وبالتسامي باعتباره تحويلًا للألم إلى بناء جمالي، وبالتالي يصبح الإبداع إعادة تنظيم للواقع، يسمح للذات بأن تعيش ما لم تعشه.
الاتساع المنهجي
ينتقل الكتاب بسلاسة من التأمل النظري إلى المقاربة التطبيقية، حيث يختبر أطروحته داخل نصوص روائية وقصصية متعددة.
هو يتعامل معها بوصفها تمثيلات لأشكال مختلفة من أزمة الهوية: هوية الفرد المهمّش، وهوية الجسد المقموع، وهوية العقل الغائب داخل الجماعة.
في هذا السياق، تنوعت قراءاته بين الرواية والقصة القصيرة، وبين كتاب ينتمون إلى أجيال متعاقبة من الستينيات حتى نهاية القرن العشرين، رجالًا ونساءً، هذا الاتساع – نوعيًا وزمنيًا – ظل محكومًا بسؤال مركزي واضح.
يكشف أن أزمة الهوية تتخذ أشكالًا مختلفة باختلاف السياق التاريخي والاجتماعي.
فهوية الستينيات، المثقلة بأسئلة المشروع الوطني والالتزام، تختلف عن هوية الثمانينيات والتسعينيات، حيث يتراجع العام لصالح الذاتي، ويتحول السؤال من «من نحن؟» إلى «من أنا وسط هذا التفتت؟”.
تصوران للهوية
يقوم تصور شوقي عبد الحميد يحيى لكيفية اشتغال كلٍّ من الرواية والقصة القصيرة على سؤال الهوية، على وعي عميق باختلاف منطق كل جنس سردي، وحدود أدواته، ونمط حضوره في تمثيل الذات والعالم.
فالرواية، في قراءاته، ليست مجرد حكاية ممتدة، بل فضاء زمني ومعرفي يسمح بتتبّع تشكّل الهوية عبر التحولات، والانتقالات، والانكسارات المتراكمة.
إنها سردية “زمن طويل”، حيث تتشكل الهوية ببطء داخل مسار الشخصية، ومن خلال احتكاكها بالمكان، والذاكرة، والجماعة، والسلطة، والتاريخ.
لذلك يهتم الناقد في مقارباته الروائية بالبنية، وتعدد الأصوات، وتقنيات الاسترجاع، وتداخل الأزمنة، باعتبارها جميعًا أدوات لا تحكي القصة فحسب، بل تُنتج معنى الهوية ذاتها.
الشخصية الروائية في تصوره
فالشخصية الروائية، في هذا التصور، لا تمثل هوية جاهزة، وإنما تخوض صراعًا دائمًا معها.
في المقابل، يتعامل مع القصة القصيرة بوصفها جنسًا سرديًا يشتغل على الهوية من زاوية مختلفة، أكثر حدة وأقل امتدادًا.
لا تملك القصة ترف الزمن
فالقصة لا تملك ترف الزمن، ولا تسعى إلى تتبع المسار الكامل لتشكل الذات، بل تمسك بلحظة بعينها، غالبًا تكون لحظة أزمة أو انكشاف أو صدمة.
بالتالي يختبر الهوية في موقف محدد، مكثف، يضع الشخصية في مواجهة نفسها أو مع واقع ضاغط.
ومن ثمّ، فإن سؤال “من أنا؟” في القصة القصيرة يأتي كارتطام مفاجئ بالذات، أو كوعي خاطف بهشاشتها. لهذا يولي أهمية خاصة للغة في القصة القصيرة، بوصفها الحامل الأساسي للمعنى، وأحيانًا البديل عن الامتداد السردي.

عناصر تشكيل هوية النص
فاختيار المفردة، وبناء الجملة، وطريقة الإيقاع، والنهاية المفتوحة أو الصادمة، كلها عناصر تُسهم في تشكيل هوية النص، بل وتكشف – في كثير من الأحيان – عن هوية الكاتب ورؤيته للعالم.
ما يجمع بين الرواية والقصة القصيرة في تصوره هو أن كليهما يقدمان الهوية باعتبارها سؤالًا دائمًا، غير أن الاختلاف يكمن في طريقة طرح السؤال.
الرواية تسأل الهوية عبر الامتداد والتراكم: كيف تغيّرت؟ لماذا تشظّت؟ ماذا فعل بها الزمن؟
أما القصة القصيرة فتسألها عبر اللمحة الخاطفة: ماذا يحدث حين تُسلب؟ أو حين تُهدد؟ أو حين يُجبر الفرد على مواجهتها فجأة؟
وجهان لسؤال واحد
يكشف هذا التصور عن وعي نقدي يتجاوز التصنيف الشكلي إلى إدراك العلاقة بين الشكل والمضمون، بين الجنس الأدبي وسؤال الهوية ذاته.
فحين يكتب الكاتب رواية، فهو يراهن على إمكانية الفهم، ولو الجزئي، وعلى إعادة تركيب المعنى عبر السرد. أما حين يكتب قصة قصيرة، فهو يعلن، ربما دون تصريح، عن انسداد الأفق، أو عن استحالة الاكتمال، أو عن هشاشة اللحظة الإنسانية.
الرواية والقصة وجهان لسؤال الإبداع
بهذا المعنى، تصبح الرواية والقصة القصيرة، في مشروع شوقي عبد الحميد النقدي، وجهين لسؤال واحد: هوية تتشكل ببطء في الزمن، وهوية تنكشف فجأة في لحظة، وبينهما تتجلى مأساة الإنسان المعاصر وثراء الإبداع معًا.
خاتمة
لا يكتفي كتاب «لماذا نبدع؟» أنه بطرح السؤال، بل يطارده داخل النصوص، ويختبره، ويعيد صياغته بأشكال متعددة.
ورغم أن بعض المقاطع كانت تحتمل مزيدًا من التكثيف، فإن القيمة الأساسية للكتاب تكمن في مزجه الواعي بين التنظير والتطبيق، وفي إيمانه بأن النقد ليس شرحًا للنص.
بل حوارًا معه، وإذا كان عنوان الكتاب يطرح سؤالا، فإن المتن لم يسعى إلى تقديم إجابة عنه، بقدر سعيه إلى تحويل هذا السؤال إلى منظور نقدي منتج.
الإبداع ضرورة وجودية
فالإبداع، وفق هذا النظور ضرورة وجودية تنشأ حين تفشل الهوية في التحقق داخل شروطها الواقعية.
ومن هنا تأتي قيمة الكتاب، بوصفه قراءة ترى في السرد مساحة لإعادة بناء الذات، وفي الخيال أداة لفهم ما لا يُحتمل في الواقع.






