مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

أبطال وخونة (1) المقدمة

التاريخ لا يتحرك بلحظة واحدة، ولا يُختزل في قرار فرد، بل يتشكل عبر تراكمات طويلة، تتداخل فيها القوة والضعف، والاختيار والضرورة

مشاركة:
حجم الخط:

كيف نروي التاريخ… وكيف نفهمه؟ (1) 

مقدمة السلسلة

منذ اللحظة التي صعد فيها طومان باي إلى مشهده الأخير، لم يتوقف التاريخ المصري عن إنتاج قصته الأكثر حضورًا:
قصة البطل الذي يقاوم، والخائن الذي يُسقط كل شيء.
في هذه القصة، يبدو كل شيء واضحًا:
هناك من قاتل بشرف، وهناك من تراجع أو تواطأ.
هناك من يستحق المجد، وهناك من يتحمل اللعنة.

لكن، هل كان التاريخ بهذه البساطة حقًا؟

تُخبرنا الذاكرة الجمعية أن الهزائم تُفسَّر بالخيانة، وأن الانتصارات تُنسب إلى البطولة.
وبين هذين الحدّين، يُعاد ترتيب التعقيد في صورة مريحة: وجهٌ نعلّق عليه الأمل، وآخر نُحمّله عبء الفشل.
غير أن هذه الراحة نفسها قد تكون جزءًا من المشكلة.
ربما لم تكن الهزائم نتيجة خيانة، بل نتيجة مسارات وصلت إلى نهايتها قبل أن ندرك ذلك.

التاريخ لا يتحرك بلحظة واحدة، ولا يُختزل في قرار فرد، بل يتشكل عبر تراكمات طويلة، تتداخل فيها القوة والضعف، والاختيار والضرورة.

في لحظات الصعود، يظهر البطل.

لا لأنه خلق اللحظة من عدم، بل لأنه جاء في وقتٍ أصبحت فيه اللحظة ممكنة.
وفي لحظات الانهيار، يظهر “الخائن”.
لا لأنه وحده أسقط كل شيء، بل لأنه كان التعبير الأكثر وضوحًا عن خللٍ أعمق سبق سقوطه.
وهكذا، لا يكون البطل دائمًا صانع التاريخ،
ولا يكون الخائن دائمًا سبب انهياره،
بل يكون كلٌّ منهما—في كثير من الأحيان—مرآةً لما يحدث في عمق الواقع.

من طومان باي إلى الحاضر، مرّ التاريخ المصري بتحولات كبرى:

سقوط، وتأسيس، واحتلال، وثورة، ودولة، وانفجار، ثم إعادة تشكّل.
وفي كل مرحلة، تغيّرت الأسماء…
لكن بقيت القصة كما هي:
بطل في الواجهة، وخائن في الظل.
غير أن هذه السلسلة لا تسعى إلى إعادة إنتاج هذه القصة،بل إلى مساءلتها.

لسنا هنا لننفي البطولة،  ولا لنبرئ الخيانة،

بل لنفهم شروط ظهورهما.
كيف يصبح شخصٌ ما بطلًا في لحظة،
وخائنًا في لحظة أخرى؟
وكيف يمكن أن يحمل الصفتين معًا، تبعًا للزاوية التي ننظر منها؟

هذه السلسلة ليست عن الأشخاص بقدر ما هي عن اللحظات التي صنعتهم،
ولا عن الأحكام بقدر ما هي عن الشروط التي جعلت هذه الأحكام ممكنة.
سنمر عبر شخصيات شكّلت الوعي التاريخي المصري:
من سلاطين وقادة، إلى زعماء وشخصيات شعبية،
نراهم كما رُووا أولًا… ثم نحاول أن نراهم داخل سياقهم.
لأن السؤال ليس:
من كان البطل؟
ومن كان الخائن؟

بل:
كيف وصلنا إلى لحظةٍ أصبح فيها البطل ممكنًا…وأصبحت فيها الخيانة تفسيرًا جاهزًا؟

الخاتمة للسلسلة

ما نسمّيه خيانة… قد يكون الاسم المتأخر لانهيارٍ بدأ قبل ذلك بكثير.
وما نسمّيه بطولة… قد يكون لحظة اكتمال مسارٍ لم نصنعه

شارك المقال: