زلــــــــــــــزال هــــــــــــــرمز (23)
لقد دخلت الأزمة مرحلة جديدة، أكثر خطورة وتعقيداً، مع انتقال الضربات الإسرائيلية من نطاق الأهداف التقليدية إلى استهداف بنية تحتية حساسة داخل إيران، تشمل منشآت نووية وصناعية ذات طابع استراتيجي،

من يوقف العبث والتهور الإسرائيلي الأميركي؟
في الإقليم الذي ينام على صفيح ساخن، لم يعد السؤال هو إن كانت إيران سترد، بل أين وكيف ومتى؟
مع كل ضربة تتسع رقعتها داخل الأراضي الإيرانية، يرتفع منسوب القلق في العواصم المجاورة.
لا لأن الحرب تدور بعيداً عنها، بل لأنها قد تكون ساحة الرد القادمة.
هنا، لا تُقرأ الخرائط بالحدود السياسية، بل بخطوط الطاقة، والممرات البحرية، والقواعد العسكرية، وكل ما يمكن أن يتحول في لحظة إلى هدف مشروع في حسابات الانتقام.
ضربة تتجاوز الجغرافيا
لكن ما جرى في الساعات الأخيرة تجاوز كل سيناريوهات التقدير، ليس فقط من حيث طبيعة الرد الإيراني، بل من حيث اتساع رقعته الجغرافية وعمقه العملياتي.
فوفق معطيات تداولتها وسائل إعلام دولية، شملت الضربات الإيرانية استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، في تطور بالغ الحساسية، حيث أشارت تقارير من CNN إلى إصابة 12 جندياً أمريكياً، بينهم اثنان في حالة خطيرة.
بينما ذكرت واشنطن بوست أن عدد المصابين 10 جنود مع تدمير طائرتين أمريكيتين داخل القاعدة.
من تل أبيب إلى الخليج
رغم اختلاف الأرقام بين المصدرين، فإن الثابت في كلا الروايتين هو أن الضربة لم تعد ضمن إطار الرسائل الرمزية، بل تمثل نقلة نوعية في مستوى الاشتباك عبر استهداف مباشر لبنية عسكرية أمريكية داخل الخليج.
الإعلام العربي وانتقائية الرواية
في الوقت نفسه، برزت الضربات الإيرانية على تل أبيب في واجهة التغطية الإعلامية العربية والدولية، مصحوبة بصور وتحليلات مكثفة.
في حين أن ما يتعلق بالساحة السعودية- بما تحمله من دلالات أخطر على اتساع الصراع- لم يحظَ بنفس الزخم، بل ظهر في كثير من المنصات العربية بشكل محدود أو ملتبس، إن لم يكن غائباً تماماً.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحدث عسكري، بل بـكيفية صياغة الرواية:
ما يُعرض، وما يُخفف، وما يُترك خارج دائرة الضوء.

معادلة الردع الجديدة
ولايخفي لدوائر صنع القرار اننا في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، تتقاطع فيها حسابات القوة مع حدود الردع، وتختلط فيها الرسائل العسكرية بالتصريحات السياسية المتناقضة، يبرز سؤال ملحّ لا يخص إيران وحدها ولا إسرائيل وحدها، بل يمسّ مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط برمّته: من يوقف هذا العبث والتهور الإسرائيلي الأميركي؟
كسر الخطوط المعلنة
لقد دخلت الأزمة مرحلة جديدة، أكثر خطورة وتعقيداً، مع انتقال الضربات الإسرائيلية من نطاق الأهداف التقليدية إلى استهداف بنية تحتية حساسة داخل إيران، تشمل منشآت نووية وصناعية ذات طابع استراتيجي، مثل مجمع أراك للماء الثقيل، ومرافق إنتاج اليورانيوم الخام، إلى جانب مصانع كبرى للصلب. هذه ليست مجرد أهداف عسكرية، بل رسائل سياسية مكثفة، مفادها أن إسرائيل لم تعد تكتفي بسياسة “الاحتواء” أو “الضربات المحدودة”، بل تمضي نحو إعادة رسم قواعد الاشتباك بشكل جذري.
الاقتراب من النووي
الأخطر من ذلك، هو الاقتراب من الخط الأحمر النووي، ولو بشكل غير مباشر. فمجرد تسجيل سقوط قذيفة في محيط محطة بوشهر النووية، حتى وإن لم تسفر عن أضرار مباشرة، يكشف عن مستوى غير مسبوق من المجازفة. إن اللعب بالقرب من منشآت نووية ليس مجرد تصعيد عسكري، بل مقامرة بأمن المنطقة والعالم، حيث لا يمكن احتواء تداعيات أي حادث إشعاعي محتمل، لا جغرافياً ولا سياسياً.
أزدواجية أمريكا في إدارة الأزمة
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمارس ازدواجية صارخة في إدارة الأزمة.
فمن جهة، تمنح إسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً واسعاً، وتواصل دعمها في المحافل الدولية.
من جهة أخرى، تطلق تصريحات عن “تهدئة مؤقتة” أو “تأجيل الضربات”، كما حدث مع إعلان دونالد ترامب عن مهلة عشرة أيام لوقف استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.
لكن هذه التصريحات، بدلاً من أن تعكس استراتيجية واضحة، تكشف عن ارتباك في الرؤية، ومحاولة للجمع بين التصعيد والاحتواء في آن واحد.
هذا التناقض الأميركي لا يساهم في خفض التوتر، بل يزيد من ضبابية المشهد، ويشجع على مزيد من الانفلات.
ضرب النووي دون حرب شاملة
فحين تدرك إسرائيل أن واشنطن لن تضع خطوطاً حمراء حقيقية، بل تكتفي بإشارات لفظية، فإنها تمضي أبعد في عملياتها، مدفوعة بقناعة أن الكلفة السياسية يمكن احتواؤها.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بسلوك إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل بقدرة النظام الدولي على ضبط هذا الانفلات.
حتى الآن، تبدو المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، عاجزة عن فرض قواعد واضحة، تكتفي بالتحذير من المخاطر دون امتلاك أدوات ردع حقيقية.
أما القوى الكبرى، فتتعامل مع الأزمة من منظور مصالحها، لا من منظور الاستقرار العالمي.
في هذا الفراغ، تصبح “كلفة التصعيد” هي العامل الوحيد القادر على كبح الاندفاع.
فكلما ارتفعت احتمالات اتساع الحرب، وكلما اقتربت الضربات من خطوط حمراء كالمضائق البحرية أو المنشآت النووية، تزداد الضغوط على جميع الأطراف لإعادة الحسابات.
الخوف من تصاعد أسعار الطاقة
الخشية من إغلاق مضيق هرمز، أو من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، أو من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، تشكل عناصر ردع غير مباشرة، لكنها حتى الآن لم تبلغ حدّ فرض التهدئة.
أما إيران، فهي تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: الرد ضرورة، لكن الانزلاق إلى حرب شاملة مخاطرة كبرى. المؤشرات الحالية توحي بأن طهران تميل إلى استراتيجية “الرد المحسوب”
أي توجيه ضربات موجعة ولكن دون تجاوز عتبة تؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو مع الإقليم ككل.
إلا أن ما شهدته تل أبيب، وما تسرّب عن استهداف قاعدة الأمير سلطان داخل السعودية، يشير إلى أن “الرد المحسوب” لم يعد يعني ضربة رمزية محدودة، بل بات يعني توسيع هامش الإيلام مع الإبقاء على السقف السياسي دون الحرب الشاملة.
تثبيت معادلة ردع
إنها تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، قوامها أن استهداف العمق الإيراني لن يمر دون ثمن، لكن هذا الثمن سيبقى ضمن حدود يمكن التحكم بها.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر التصعيد التدريجي.
فكل ضربة محسوبة قد تستدعي رداً مضاداً، وكل رد قد يفتح الباب أمام مستوى أعلى من المواجهة، في حلقة يصعب كسرها.
هنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن لإيران أن توازن بين استعادة الردع وتجنب الانفجار الشامل؟
في هذا السياق، تبرز أهمية موقف دول الجوار الإقليمي، التي تجد نفسها في موقع بالغ الحساسية.
فهذه الدول، وعلى رأسها دول الخليج، تدرك أن أي تصعيد واسع لن يبقى محصوراً بين إيران وإسرائيل، بل سيمتد إلى الممرات البحرية، والبنية التحتية للطاقة، وربما إلى أراضيها بشكل مباشر.
وقد بات هذا الاحتمال أقرب إلى الواقع.
تل أبيب في الواجهة والخليج في الظل
فحين تُستهدف قاعدة أمريكية داخل السعودية، وتُصاب منشآت أو قواعد عسكرية فإن دول الجوار لم تعد مجرد مراقب، بل أصبحت ضمن معادلة الردع نفسها.
وهنا تتجلى المفارقة الأكثر خطورة:
الإعلام العربي يضخم ما يصيب الخصم، ويخفض صوت ما يصيب الحليف.
فبينما تحولت تل أبيب إلى مركز التغطية والصورة والتحليل، جرى التعامل مع الضربات داخل السعودية- رغم حساسيتها القصوى- كخبر ثانوي أو هامشي، في مشهد يعكس انتقائية لا يمكن فصلها عن اعتبارات سياسية أكثر من كونها مهنية.
هذا التناقض في المواقف يعكس واقعاً معقداً: دول لا تريد حرباً، لكنها لا تمانع في إضعاف خصمها الإقليمي، طالما أن ذلك لا يتم على حساب أمنها المباشر.
غير أن هذه الحسابات قد لا تصمد طويلاً إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة، لأن أي خطأ في التقدير قد يحول هذه الدول من مراقب حذر إلى طرف مباشر في الصراع.
في المحصلة، لا يبدو أن هناك طرفاً واحداً قادراً على إيقاف هذا المسار الخطير.
فالولايات المتحدة جزء من المشكلة، لا من الحل، وإسرائيل تمضي وفق حساباتها الأمنية الخاصة، وإيران ترد ضمن هامش محسوب لكنه قابل للانفجار، فيما يقف المجتمع الدولي عاجزاً عن فرض معادلة توازن مستقرة.
ما يوقف هذا العبث، في نهاية المطاف، ليس الوعود السياسية ولا بيانات الإدانة، بل إدراك جماعي بأن الكلفة المقبلة ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة.
لكن ربما قبل ذلك، يحتاج الإقليم إلى شيء أبسط—وأصعب:
رواية صادقة لما يجري فعلاً… لا لما يُسمح بتداوله فقط.






