مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

اغتيال لاريجاني واختلال مركز الضبط في إيران

لا يمكن فهم الحدث بوصفه اغتيالًا تقليديًا، بل كاستهداف لوظيفة داخل النظام. وقد أشار راي تاكيه إلى أن إضعاف التيار البراغماتي يؤدي غالبًا إلى اختلال التوازن لصالح الاتجاهات الأكثر تشددًا⁸.

مشاركة:
حجم الخط:

 قراءة تحليلية في بنية القرار

بقلم د. محمد الغمري

تمهيد: سؤال اللحظة الكاشفة

لا تُقاس بعض الوقائع بحجمها الظاهر، بل بما تكشف عنه من طبقات خفية في بنية النظام الذي تقع داخله. فليست كل حادثة اغتيال نهاية لشخص، بل قد تكون بداية لانكشاف منظومة، أو اختبارًا حادًا لقدرتها على التماسك. وفي مثل هذه اللحظات، يتحول الحدث من خبر إلى مؤشر، ومن واقعة إلى علامة على تحول أعمق في توازنات السلطة.

وفي هذا السياق، يسعى هذا التحليل إلى الإجابة عن سؤال رئيس: كيف يؤثر استهداف الفاعلين الوسيطين داخل بنية النظام الإيراني في تماسك عملية صنع القرار واستقرارها؟

ويندرج اغتيال علي لاريجاني — إن ثبت في سياق الصراع الإقليمي — ضمن هذا الإطار، حيث لا يُقرأ بوصفه استهدافًا لشخصية سياسية فحسب، بل بوصفه ضربة موجهة إلى أحد مفاصل التنظيم الداخلي للنظام الإيراني، بما يعكس تحولًا في طبيعة الصراع نحو استهداف مراكز الضبط البنيوي¹.

أولاً: لاريجاني… موقع يتجاوز المنصب

لفهم دلالة الحدث، لا بد من تجاوز القراءة الشكلية للمناصب، والانتقال إلى فهم طبيعة الدور الذي كان يؤديه علي لاريجاني داخل بنية السلطة. فعلى الرغم من أنه لم يكن يشغل موقعًا تنفيذيًا بارزًا في مراحله الأخيرة، وعمل مستشارًا قريبًا من علي خامنئي، فإن هذا القرب يعكس موقعًا داخل الدائرة الفعلية لصنع القرار.

لقد تنقل لاريجاني بين مواقع متعددة: رئاسة البرلمان، وإدارة الأمن القومي، والتفاوض النووي، والعمل الاستشاري في مركز السلطة. غير أن هذا التنقل لا يعكس مجرد مسار إداري، بل يكشف عن تموضع دائم داخل نقطة تقاطع بين مراكز القوة، بما يجعله عنصرًا في تنظيم العلاقة بين هذه المراكز.

ويرى ولي نصر أن لاريجاني مثّل نموذج السياسي الذي يجمع بين فهم الداخل والقدرة على التفاوض مع الخارج، وهو ما منح حضوره بعدًا يتجاوز الوظيفة الرسمية إلى التأثير البنيوي².

ثانياً: الإطار المفاهيمي – اختلال مركز الضبط

يعتمد هذا التحليل على مفهوم اختلال مركز الضبط، ويُقصد به:تراجع قدرة النظام على تنسيق العلاقة بين مراكز القوة داخله نتيجة فقدان الفاعلين الوسيطين القادرين على إدارة التوازنات.

ويمكن فهم هذا المفهوم في إطار تحليلات البنية الداخلية للأنظمة المركبة، حيث لا يقوم الاستقرار على مركزية القرار فقط، بل على وجود آليات تنظيمية وسيطة تحفظ التوازن بين مكوناته.

ثالثاً: في تقدير المحللين – عنصر في مركز الضبط

تجمع تحليلات مراكز بحثية دولية، مثل معهد بروكنغز ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، على أن لاريجاني كان من الشخصيات التي تعمل داخل المستوى الوسيط الحاسم في النظام، حيث تتحدد فعالية القرار من خلال تنظيم العلاقة بين القمة والمؤسسات³.

كما يشير كريم سجادبور إلى أن قوة النظام الإيراني لا تقوم فقط على مركزية القيادة، بل على وجود شخصيات قادرة على إدارة التوازنات الداخلية، وهو ما يجعل فقدانها مؤثرًا في كفاءة النظام⁴. وفي السياق ذاته، يرى فالي نصر أن الأنظمة التي تعتمد على شبكات توازن دقيقة تصبح أكثر هشاشة عند غياب الوسطاء، إذ تتحول المنافسة إلى صراع مباشر⁵.

 وفي ضوء هذه التقديرات، يمكن الانتقال إلى تحليل أثر هذا الغياب على بنية النظام.

رابعاً: من التوازن إلى اختلال مركز الضبط

يكشف غياب شخصية تؤدي هذا النوع من الأدوار عن تحول نوعي في بنية النظام، يمكن توصيفه بأنه انتقال من حالة تنظيم داخلي متماسك إلى حالة أكثر عرضة للاختلال.

  1. 1. تراجع القدرة على التنسيق

تشير وكالة رويترز في تقرير مفصل إلى أن استهداف شخصيات تنسيقية يؤدي إلى “تعقيد عملية اتخاذ القرار وتقليص الخيارات الاستراتيجية” ⁶.

  1. 2. تصاعد التوتر الداخلي

مع غياب الوسيط، تزداد احتمالات الاحتكاك المباشر بين الأجنحة، بما يحول التنافس إلى صراع أكثر حدة.

  1. 3. ارتفاع مستوى الهشاشة

تؤكد مؤسسة كارنيغي أن استهداف النخبة يعكس “قابلية متزايدة للاختراق داخل البنية السياسية والأمنية”⁷.

إن استهداف لاريجاني لا يعني إزاحة فاعل، بل تفكيك آلية ضبط داخل النظام.

خامساً: طبيعة الحدث – استهداف الدور لا الشخص

في ضوء ما سبق، لا يمكن فهم الحدث بوصفه اغتيالًا تقليديًا، بل كاستهداف لوظيفة داخل النظام. وقد أشار راي تاكيه إلى أن إضعاف التيار البراغماتي يؤدي غالبًا إلى اختلال التوازن لصالح الاتجاهات الأكثر تشددًا⁸.

ومن ثم، فإن اغتيال لاريجاني يمثل ضربة موجهة إلى بنية العلاقات داخل النظام، لا إلى أحد أطرافها فقط.

سادساً: قراءة مقارنة – بين سليماني ولاريجاني

يمكن فهم طبيعة الحدث بشكل أوضح من خلال مقارنته باغتيال قاسم سليماني.

فبينما كان سليماني يمثل ذراعًا عسكرية يمكن تعويضها مؤسسيًا، فإن لاريجاني يمثل وظيفة تنظيمية يصعب تعويضها. ويرى علي واعظ أن استهداف شخصيات غير عسكرية مباشرة قد يكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، لأنه يضرب البنية لا الأداة⁹.

سابعاً: التأثير على مسار الصراع

يمتد أثر هذا التحول إلى طبيعة القرار الإيراني، حيث تشير دراسة صادرة عن معهد بروكنغز (2025) بعنوان إيران بعد الضربات القيادية إلى أن غياب التيار البراغماتي يؤدي إلى “انكماش مساحة الحلول السياسية واتساع منطق المواجهة”¹⁰.

كما يرى هنري روما، في تحليل صادر عن مجموعة أوراسيا (2024)، أن مراكز القرار في إيران تميل في مثل هذه الظروف إلى الاعتماد بشكل أكبر على الحرس الثوري، ما يعزز الطابع الأمني للسياسات¹¹.

ثامناً: الدلالة الأعمق – قابلية الاختراق

تكشف هذه الواقعة عن تحول نوعي يتمثل في انتقال النظام من حالة التماسك النسبي إلى حالة أكثر عرضة للاختراق. وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي (2025) بعنوان تحولات البنية الأمنية في إيران إلى أن استهداف النخبة يعكس تغيرًا في ميزان الحماية داخل النظام¹².

الخاتمة: تعميم نظري ومسارات مفتوحة

يشير هذا التحليل إلى أن الأنظمة التي تعتمد على فاعلين وسيطين لتنظيم العلاقة بين مراكز القوة تصبح أكثر عرضة للاختلال عند استهداف هؤلاء الفاعلين، بما يؤدي إلى تراجع القدرة على الضبط الداخلي.

ويقف النظام الإيراني، في ضوء هذا الحدث، أمام ثلاثة احتمالات:

  1. إعادة التماسك

  2. تآكل تدريجي

  3. اختلال متصاعد

وفي جميع الأحوال، فإن اغتيال لاريجاني — إذا تأكد — لا يمثل مجرد حدث أمني، بل لحظة كاشفة لما يمكن تسميته بـ: اختلال مركز الضبط داخل النظام

وقد تكون هذه اللحظة بداية تحول لا يُدرك إلا بعد اكتماله.

الهوامش:

  1. 1. وكالة رويترز، “تصاعد استهداف القيادات الإيرانية وتحول طبيعة الصراع”، 17 مارس 2026.

  2. 2. ولي نصر، مستقبل السياسة الإيرانية، واشنطن: مركز دراسات الشرق الأوسط، 2022، ص 88

  3. 3. معهد بروكنغز، “بنية النظام السياسي الإيراني”، 2023؛ مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “آليات صنع القرار في إيران”، 2024

  4. 4. كريم سجادبور، “فهم توازنات النظام الإيراني”، مؤسسة كارنيغي، 2021.

  5. 5. فالي نصر، قوى الشرق الأوسط الجديدة، 2019، ص 134.

  6. 6. وكالة رويترز، “تأثير استهداف القيادات على عملية صنع القرار الإيراني”، 18 مارس 2026.

  7. 7. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “أمن النخبة في الأنظمة المغلقة”، 2024

  8. 8. راي تاكيه، “إيران بين البراغماتية والتشدد”، مجلس العلاقات الخارجية، 2020.

  9. 9. علي واعظ، “ديناميات الصراع الإيراني”، مجموعة الأزمات الدولية، 2022

  10. 10. معهد بروكنغز، إيران بعد الضربات القيادية، 2025

  11. 11. هنري روما، “اتجاهات القرار الإيراني”، مجموعة أوراسيا، 2024.

  12. مؤسسة كارنيغي، تحولات البنية الأمنية في إيران، 2025.

شارك المقال: