مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

ما أجمل أيام الانغلاق

تذكر أنني قلت للسيدة تحية عبد الناصر أرملة الرئيس، بعفوية مندهشة: هذه الستارة الماركيزيت موجودة نفسها في بيوت الطبقة الوسطى.لم يكن في البيت ما يُشعر الداخل بأنه عبر عتبة مختلفة

مشاركة:
حجم الخط:

من أوراق محمد حماد:
ما أجمل أيام الانغلاق

حين دخلت منزل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أواسط السبعينيات، بعد رحيله بسنوات، كنت أحمل في ذهني ـ مثل كثيرين ـ صورة السلطة بكل ما تحمله من رهبة وتميّز.

ما إن دخلت البيت حتى باغتني شعور مختلف تمامًا. لم أكن أمام بيت حاكم حكم بلدًا بحجم مصر مائية عشر عاماً، كنت أمام منزل عادي، يشبه بيوت الطبقة الوسطى المصرية في ذلك الزمن، في تفاصيله، وفي بساطته التي لا تتصنع شيئًا.

أتذكر أنني قلت للسيدة تحية عبد الناصر أرملة الرئيس، بعفوية مندهشة: هذه الستارة الماركيزيت موجودة نفسها في بيوت الطبقة الوسطى.

لم يكن في البيت ما يُشعر الداخل بأنه عبر عتبة مختلفة، ولا ما يذكّره بفارقٍ طبقي أو سلطوي.

حتى ملابس الرئيس في حياته كانت امتدادًا لهذه الروح؛ بيجامات قطنية، وبدلات سفاري من المحلة، لا إشارات فيها إلى امتياز خاص أو تميّز مصطنع.

هذه البساطة لم تكن حالة فردية، بل كانت انعكاسًا لزمنٍ كامل.

في مدارسنا، كنا نجاور أبناء وزراء دون أن نعرف، ودون أن يحرص أحدهم على التعريف بنفسه من خلال منصب أبيه. أذكر تلميذًا في الصف الأول الإعدادي عام 1966، حين طُلب منا أن نقدّم أنفسنا، فوقف وقال: أبي من ذوي الأملاك. لم تمر الجملة حتى ضحك الفصل كله، وابتسم المدرس، قبل أن يجلس الصبي وقد ملأه الخجل، لا لأنه أخطأ، بل لأنه حاول أن يتميّز بصفة لم يكن لها وزن في وعينا الجمعي.

والمفارقة أن بيننا في الفصل نفسه كان ابن وزير التعليم، وابن وكيل وزارة الصحة، دون أن يرى أيٌّ منهما في ذلك تعريفًا لنفسه.

وفي الجامعة، ظل المشهد قريبًا من ذلك.

كانت ملابسنا متشابهة إلى حد كبير، والفروق الاجتماعية لا تكاد تُرى بالعين. ومن بين آلاف الطلاب، لم يكن هناك أكثر من ثلاثة أو أربعة يأتون بسيارة خاصة، وكان ذلك في السبعينيات، لا في زمنٍ بعيد.

هذه ليست حكايات شخصية بقدر ما هي مفاتيح لفهم زمنٍ كانت فيه القيم أقل صخبًا، والمقارنة أقل حضورًا، والإنسان أقرب إلى نفسه.

لماذا يبدو ذلك الزمن، في الذاكرة، أكثر جمالًا وطمأنينة؟ ولماذا نعود إليه اليوم ونحن نعيش ما نسمّيه انفتاحًا؟

من هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم زمنٍ لم نكن نسمّيه انغلاقًا، ولم نشعر فيه أننا محرومون من العالم. لم يكن المجتمع منغلقًا بقدر ما كان مكتفيًا بذاته.
العالم لم يكن قد اقتحم البيوت، ولم تكن المقارنة قد تحوّلت إلى أسلوب حياة. كان الناس يعيشون داخل حدود واضحة، لكن هذه الحدود كانت تمنحهم شعورًا بالأمان، لا بالاختناق.

ثم بدأ ما نسمّيه الانفتاح. لم يأتِ دفعة واحدة، ولم يكن شرًا في ذاته، لكنه حمل معه ما هو أكثر من السلع والأفكار.

دخلت قيم جديدة، أعادت تعريف النجاح، والانتماء، والمكانة. لم يعد التعليم مسألة معرفة، بل صار بطاقة عبور طبقي. لم تعد الأشياء تؤدي وظائفها، بل صارت رموزًا تُعلن موقع صاحبها في السلم الاجتماعي.

ومع الإعلام والإعلان، ومع الصورة القادمة من الخارج، تضخمت التطلعات بسرعة أكبر من قدرة المجتمع على الاستيعاب.

تحوّلت الكماليات إلى ضروريات نفسية، لا يمكن التخلي عنها دون شعور بالنقص. لم يعد الإنسان يقيس حياته بما يملكه فعلًا، بل بما يراه عند غيره.

دخلت المقارنة كل بيت، وكل أسرة، وكل نفس.

وهكذا، لم يعد القلق ناتجًا عن الفقر فقط، بل عن الإحساس الدائم بعدم الاكتمال.

صار الإنسان يلهث، لا ليعيش أفضل، بل ليواكب. وكلما ظن أنه اقترب من الصورة المطلوبة، اكتشف أن الصورة تغيّرت، وأن السباق لا نهاية له.

من هنا يبدو الحنين إلى أيام “الانغلاق” مفهومًا.

ليس حنينًا إلى العزلة، ولا إلى الفقر، ولا إلى غلق الأبواب أمام العالم، بل إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أقل صخبًا، والقيم أكثر استقرارًا، والإنسان أقل تمزقًا بين ما هو عليه وما يُطلب منه أن يكونه. حنين إلى زمنٍ لم تكن فيه الأشياء تُستخدم لإثبات القيمة، بل لخدمة الحياة.

وإذا كان الانفتاح قد وسّع العالم من حولنا، فإنه ضيّق العالم داخلنا.

أما ذلك الانغلاق القديم، فقد يكون أغلق نوافذ كثيرة، لكنه ترك للناس نافذة واسعة على أنفسهم.

وربما لهذا، حين نستعيده اليوم، لا نفعل ذلك بدافع الهروب من الحاضر، بل بحثًا عن معنى افتقدناه وسط هذا الاتساع المربك.

هنا، فقط هنا، نفهم لماذا تبدو تلك الأيام جميلة في الذاكرة. لا لأنها كانت مثالية، بل لأنها كانت أصدق. لا لأنها خلت من المشكلات، بل لأنها خلت من هذا القلق المقيم.

ولذلك، حين نقول: ما أجمل أيام الانغلاق، فنحن لا نمدح الانغلاق بقدر ما نتحسر على ما فقدناه من طمأنينة، وعلى ما يمكن ـ إن أحسنا الاختيارـ أن نستعيده دون أن نغلق أبواب العالم من جديد.

شارك المقال: