رواية رعب (راديو منتصف الليل) الحلقة الأولى
السيارة توقفت فجأة، قلبها كاد يقفز من صدرها. التفتت إلى شاشة الراديو، تحاول أن تستوعب ما سمعته. كيف يعرف المذيع اسمها

راديو منتصف الليل
د. عبود مصطفى عبود
الحلقة الأولى
(1)
الساعة كانت تشير إلى الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل عندما كانت نهى علام تقود سيارتها على الطريق السريع. الطريق كان مهجورًا، لا سيارات، لا مارة، لا شيء سوى ظلام يمتد على جانبيه.
كان المطر يتساقط بخفة، يترك أثره على زجاج السيارة الأمامي، بينما كانت أضواء الأعمدة الشاحبة تلمع على الإسفلت الرطب.
لم يكن هذا وقتًا مناسبًا للقيادة، لكنها لم تكن تملك خيارًا. كانت عائدة من عملها متأخرة، مرهقة، وعقلها مشوش بأفكار لا تريد أن تواجهها.
أرادت أن تلهي نفسها بشيء، فمدت يدها إلى الراديو، بحثت عن محطة تبعد عنها الوحدة.
“93.6 FM – راديو منتصف الليل.”
كان هذا هو التردد الذي استقر عليه المؤشر، دون أن تتذكر أنها ضبطته عليه.
ثم… سمعت الصوت.
“مرحبًا يا نهى.”
ضغطت على المكابح بقوة.
السيارة توقفت فجأة، قلبها كاد يقفز من صدرها. التفتت إلى شاشة الراديو، تحاول أن تستوعب ما سمعته.
كيف يعرف المذيع اسمها؟
لكن قبل أن تتمكن من التفكير في إجابة، عاد الصوت مجددًا، بنبرة هادئة وكأن صاحبها يبتسم في العتمة:
“هذه الليلة… لدينا قصة خاصة لكِ. قصة… لا يعرفها أحد سواكِ.”
ثم… بدأت الموسيقى الخلفية.
وبدأ البث.
الصوت الذي يعرف كل شيء
بقيت نهى جامدة في مكانها، يداها متصلبتان على عجلة القيادة، وعيناها تحدقان في شاشة الراديو الصغيرة، حيث ظل الرقم 93.6 FM ثابتًا، وكأنه محفور في الجهاز.
حاولت إقناع نفسها بأنها لم تسمع ما ظنت أنها سمعته. ربما كانت مجرد مصادفة، ربما كان المذيع يحيي مستمعًا آخر يُدعى نهى. لكنه عاد ليتحدث، قاطعًا أفكارها:
“نحن نعلم أنكِ تقودين الآن بمفردك، تحت هذا المطر الخفيف، في طريق اعتدتِ أن تسلكيه.”
ضغطت على زر إيقاف الراديو بعنف.
الصمت ملأ السيارة للحظة.
لكن قبل أن تلتقط أنفاسها، عاد الصوت.
“لماذا أطفأتِنا يا نهى؟ القصة لم تبدأ بعد.”
هذه المرة لم يكن عبر الراديو.
هذه المرة، كان الصوت يأتي من المقعد الخلفي للسيارة.
تجمدت نهى في مكانها. الدم تجمد في عروقها، ويدها بقيت معلقة على زر إطفاء الراديو، لكنها لم تستطع الحراك.
الصوت لم يأتِ من السماعات.
كان خلفها مباشرة.
ببطء شديد، أجبرت نفسها على الالتفات نحو المرآة الداخلية، أنفاسها كانت قصيرة ومتقطعة.
المقاعد الخلفية كانت فارغة.
لكنها لم تكن وحدها.
شعرت بوجود شيء ما.
تسارعت أنفاسها، وعادت بعيونها إلى الطريق أمامها، تحاول استجماع تركيزها. كانت هذه مجرد هلوسة… لا يمكن أن يكون هناك أحد.
لكن حين تحركت السيارة إلى الأمام…
سمعت صوت تنفس بطيء خلف أذنها مباشرة.
ثم همس الصوت، هذه المرة بوضوح أكثر:
“نحن نعلم ما كتبته، يا نهى.”
أمسكت نهى بعجلة القيادة بقوة، أظافرها غرزت في الجلد الصناعي، وعقلها يكافح لفهم ما يحدث.
“ما كتبته؟”
تردد السؤال في رأسها. لم يكن هناك شيء تكتبه سوى تقارير عملها المعتادة، بعض الخواطر العابرة، لكن… لا، كان هناك شيء آخر. شيء منسي.
في مراهقتها، كانت تحتفظ بدفتر أسود صغير، تدون فيه قصصًا لم تقرأها لأحد. كانت تلك قصصًا شخصية، غامضة، ومليئة بالخوف… تمامًا كما تفعل هذه الإذاعة الآن.
لكن الدفتر ضاع منذ سنوات. لم يعثر عليه أحد.
إذن… كيف يعرفون؟
كيف يعرف هذا الصوت ما لم يعرفه أي شخص آخر؟
ضغطت على دواسة الوقود، محاولة أن تترك هذا الكابوس وراءها. لكنها بالكاد تحركت لبضعة أمتار قبل أن يصدر الراديو خشخشة خفيفة، ثم عاد الصوت مرة أخرى، هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا… وأكثر خطورة.
“سنعيد عليك إحدى قصصك القديمة يا نهى… فقط لتتذكري.”
ثم بدأت الموسيقى الخلفية، ورنين صوت المذيع المخيف يملأ السيارة:
“في أحد الأيام، كانت هناك فتاة تسير وحدها في الليل، في طريق لا نهاية له، وظنت أنها الوحيدة هناك…”
نهى شهقت.
كانت هذه قصتها.
كانت يداها تعرقان وهي تشد قبضتها على عجلة القيادة. الهواء داخل السيارة أصبح خانقًا، وكأن الأكسجين بدأ ينفد.
هذه القصة… كانت قصتها.
تلك الكلمات… الجملة الأولى… كتبتها بيدها عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، في دفترها الأسود الصغير الذي اعتادت أن تخبئه تحت وسادتها.
لكن كيف؟
كيف يقرأها هذا الصوت الآن، وكأن المذيع كان هناك معها عندما خطّت حروفها لأول مرة؟
“في أحد الأيام، كانت هناك فتاة تسير وحدها في الليل، في طريق لا نهاية له، وظنت أنها الوحيدة هناك… لكنها لم تكن وحدها. كان هناك شخص يراقبها، شخص يعرف كل خطواتها.”
قشعريرة باردة سرت في عمودها الفقري.
كان الصوت هادئًا، عميقًا، وكأنه يحكي قصة يعرفها جيدًا… أكثر مما تعرفها هي.
حاولت إقناع نفسها بأنها تهلوس. ربما سمعت قصة مشابهة من قبل، وربما كانت محطتها الاعتيادية قد تعرضت لتداخل غريب مع بث قديم.
لكن قلبها كان يخبرها أن هذا ليس صحيحًا.
ضغطت على زر تغيير التردد. لا شيء.
جربت إطفاء الراديو من جديد. لا شيء.
حاولت إيقاف السيارة والتقاط أنفاسها، لكنها شعرت أن يديها ملتصقتان بعجلة القيادة، وكأن قوة غير مرئية تمنعها من الإفلات.
ثم، ومن العدم، انبعث صوت حركة عبر السماعات.
في البداية، بدت كأنها مجرد مؤثر صوتي، جزء من القصة التي تُبث على الراديو.
لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
الحركة لم تأتِ من السماعات فقط.
كانت قريبة جدًا.
في الداخل.
في السيارة نفسها.
نهى لم تعد تفكر. نهى كانت تهرب.
قدمتها ضغطت على دواسة الوقود بعنف، والسيارة انطلقت بأقصى سرعة، كأنها تحاول الهروب من شبح غير مرئي.
لكنها لم تكن متأكدة…
هل كانت تهرب، أم كانت تُقاد إلى مكان آخر؟
عيناها تحركتا بسرعة بين الطريق المظلم أمامها، وبين المرآة الخلفية، تبحث عن أي شيء غير طبيعي.
لكن المشكلة لم تكن في المرآة.
المشكلة كانت في انعكاسها.
نهى رأت نفسها هناك… لكنها لم تكن تتحرك مثلها.
عينها في المرآة لم ترمش.
وفمها كان يبتسم.
انحبست أنفاسها.
عيناها ظلتا ثابتتين على المرآة، على انعكاسها الذي لا يتبعها.
كانت ترى نفسها، ترتدي نفس ملابسها، بنفس ملامحها… لكن هناك شيئًا خاطئًا.
الانعكاس لم يكن يتحرك معها.
لم ترمش عيناه قط.
والأمر الأسوأ… أن هناك ابتسامة لم تكن موجودة على وجهها الحقيقي.
نهى لم تكن تبتسم.
لكن انعكاسها كان يبتسم لها.
ببطء، رأته يرفع يده… ويشير إليها.
يدها لم تتحرك، لكن الانعكاس أشار بوضوح، إصبعه ممتد نحوها، كأنه يخبرها بشيء، أو يحذرها من شيء.
ارتعش جسدها، ودفعت المرآة بعيدًا بيد مرتجفة، محاولة أن تركز على الطريق أمامها.
لكن الراديو لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.
“ألم تشتاقي إلينا يا نهى؟”
هذه المرة، كان الصوت أوضح.
هذه المرة، لم يكن مجرد مذيع غامض يسرد قصة.
هذه المرة، كان الصوت يعرفها… وكان ينتظر منها إجابة.
السيارة تزلجت قليلًا على الطريق الرطب عندما حاولت السيطرة عليها. نبضاتها كانت تضرب صدرها كالمطرقة، وأنفاسها قصيرة، متقطعة.
كانت تريد الصراخ، لكن عقلها كان يخبرها أن الصراخ لن يساعدها الآن.
ما يحدث ليس حقيقيًا.
لكن كيف تفسر كل هذا؟
كيف يمكن لشيء غير حقيقي أن يكون واضحًا بهذه الطريقة؟
كيف يمكن أن ترى انعكاسها يتحرك بطريقة منفصلة عنها؟
كيف يمكن للراديو أن يعرف ما كتبتَه قبل أكثر من عشر سنوات؟
ثم، جاء الصوت من جديد، وكأنه قرأ أفكارها:
“أنتِ لم تفقدي ذلك الدفتر، نهى. لقد أعطيتِه لنا… بنفسك.”
كيف؟
نهى لم تتذكر أنها فعلت ذلك.
لكن عقلها بدأ يتحرك… يبحث في الظلام… يبحث عن ذكرى كانت قد دفنتها منذ سنوات طويلة.
ذلك الدفتر الأسود.
كانت مراهقة حين كتبته، حين ملأته بالقصص، لكنها لم تتذكر أبدًا كيف اختفى.
هل حقًا فقدته؟ أم أنها أعطته لأحد؟
ولمن؟
عينها عادت إلى المرآة الداخلية، خوفها يتزايد مع كل ثانية، لكنها لم تكن مستعدة لما رأته.
الانعكاس لم يكن هناك.
المكان الذي كان يشغله في الزجاج أصبح فارغًا تمامًا.
ثم، جاءت الهمسة الأخيرة… هذه المرة، من المقعد الخلفي مباشرة.
“انظري خلفك.”
نهى لم تتحرك.
الهمسة التي صدرت من المقعد الخلفي كانت باردة… قريبة جدًا… وكأن صاحبها كان يميل نحو أذنها مباشرة.
لكنها كانت وحدها.
أليس كذلك؟
يدها كانت متيبسة على عجلة القيادة، عيناها مسمرتان على الطريق أمامها، وكأنهما ترفضان الاستدارة للخلف.
لكنها شعرت به.
شيء ما كان يجلس خلفها.
لم يكن هناك صوت خطوات، لم يكن هناك صوت باب يُفتح… ومع ذلك، كان هناك وجود ثقيل يملأ المقاعد الخلفية للسيارة.
ببطء، وبحذر، مدت يدها المرتجفة نحو المرآة الداخلية، محاولة أن تلقي نظرة… دون أن تستدير.
لم يكن هناك أحد.
لكنها عرفت أن هذا ليس صحيحًا.
لأن انعكاسها لم يكن هناك أيضًا.
ضغطت على دواسة الوقود، وكأنها تحاول الهروب من شيء غير مرئي، من شيء كان موجودًا رغم أنها لا تستطيع رؤيته.
المطر بدأ يزداد كثافة، والمساحات تتحرك بسرعة فوق الزجاج الأمامي، لكنها لم تستطع التفكير في أي شيء سوى السؤال الذي ظل يصرخ في عقلها:
“من الذي يتحدث إليّ؟ وكيف يعرف كل شيء عني؟”
وكأن الصوت كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا.
“نحن نعرفك يا نهى… لأننا هنا منذ البداية.”
الراديو لم يتوقف، بل أصبح أكثر وضوحًا، وكأن الصوت لم يعد مجرد بث، بل أصبح شخصًا يتحدث مباشرة إليها.
ثم تابع بصوت أكثر هدوءًا… وأكثر رعبًا:
“وأنتِ أيضًا كنتِ هنا من قبل.”
نهى لم تفهم ما يعنيه ذلك.
لكن شيئًا ما بداخلها بدأ يتذكر… شيء غامض، شيء دفنته منذ سنوات، شيء رفضت أن تفكر فيه.
لكنها لم تجد وقتًا لتفسيره.
لأن السيارة انحرفت فجأة عن الطريق.
شيء ما… أمسك بعجلة القيادة.
لم تكن يدها. لم تكن قدميها.
لكن السيارة كانت تتحرك من تلقاء نفسها.
عيناها اتسعتا وهي ترى المخرج القادم على جانب الطريق.
كان هناك لوحة إرشادية لم ترها من قبل.
كانت الإضاءة فوقها خافتة، لكن الكلمات كانت واضحة تمامًا:
“مخرج 93.6”
نفس تردد الراديو.
كان عقلها يصرخ، يخبرها ألا تستدير، ألا تسلك هذا الطريق، لكن السيارة كانت تتحرك وحدها.
وكأن هناك يدًا غير مرئية كانت تقودها…
إلى حيث بدأت القصة.
رابط المقال المختصر:





