مقالات

رمضان غزة بين الحرب وقبلها

أفتقدُ صوت المسمار وهو يخترق العلبة، وأفتقدُ دهشتنا الأولى حين يتوهج الضوء من الثقوب. اليوم… لا نجمعُ علب الحليب لصنع الفوانيس، بل نبحثُ عنها لنملأها بما يسدُّ رمق الصغار.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: الدكتورة / حكمت المصري

في مثلِ هذهِ الأيامِ من كلِّ عام، كانت الحارةُ تضيقُ بنا من شدّة الفرح، لا من ضيق المكان ، كنّا صغارًا، لكن قلوبنا كانت تتّسعُ لرمضان بحجم السماء.
نتسابقُ لجمعِ علبِ الحليبِ والسمنِ الفارغة، نطرقُ أبوابَ البيوت بخجلٍ طفوليٍّ جميل، نسألُ الأمهات:
“خالتو… عندكِ علبة حليب فاضية؟”
فتبتسمُ وتناولنا كنزًا من صفيح.
نجلسُ في دائرةٍ صغيرةٍ حول أخي محمد، كان يومها أكبرنا حلمًا وأهدأنا يدًا.
في يده مسمارٌ حديديّ، وفي الأخرى حجرٌ من الزلط أو شاكوشٌ صغير ، كان يُمسكُ العلبة بحنانٍ غريب، وكأنها ستتحولُ فعلًا إلى شيءٍ سحري.
يبدأ بثقبها من الجهة المغلقة، ثقوبًا متناسقة، دوائرَ ونجومًا وخطوطًا، ونحنُ نحدّقُ فيه بإعجابٍ صامت.
كان صوته وهو يطرقُ الحديد موسيقى تمهّد لقدوم الشهر.
بعد أن ينتهي، نأتي بسلكٍ حديديٍّ رفيع، نصنعُ منه يدًا للعلبة، فنحملها كأننا نحملُ القمر.
فانوسًا وراء فانوس… ومحمد يتنافس مع جارنا موسى ليخرج فوانيسُنا بالشكل الأجمل، الأبهى، الأكثر إشعاعًا حين تشتعلُ فيهن الشموع.
في آخر النهار، نكون قد اشترينا شموعًا صغيرةً بألوانٍ مبهجة، نثبتها داخل الفوانيس بحذرٍ شديد.
ثم نُشعلها بأعواد الكبريت ” الشحاطه” فتتراقصُ النارُ خلف الثقوب، وترسمُ على وجوهنا ملامح الفرح الأولى.
نخرجُ لنتجول في الحارة صفًا طويلًا من الضوء، نهتفُ بصوتٍ واحد:”أهلاً أهلًا رمضان… أهلاً أهلاً رمضان… شهر الصوم والإحسان…”
نمشي ذهابًا وإيابًا من أول الحارة حتى نهايتها، لا نتعب، لا نصمت، ولا تتوقف أناشيدنا إلا حين يذوب الشمع، وتنطفئ آخر شعلةٍ في فانوسٍ صغير.
نعودُ إلى بيوتنا متعبين، وقلوبنا مشتعلةٌ انتظارًا لأول يوم في رمضان.
ننامُ ونحن نعدُّ الساعات لليوم الأول من شهرٍ كان يبدو لنا أعظم من الأعياد كلها ، كان رمضانُ يأتي قديمًا كضيفٍ عزيزٍ تُفتح له الأبوابُ والنوافذ والقلوب.
كانت الأسواقُ تعجُّ بالزائرين، أصواتُ الباعة، روائحُ التمر والمكسرات، أكوامُ القطايف، ألوانُ الزينة، فوانيس بأشكالٍ لم نكن نحلمُ بها ، أدواتٌ منزليةٌ جديدة، أقمشةٌ للمفارش، بهجةٌ تسبقُ الشهر بأيام ، لم يكن رمضان شهرَ صيامٍ وعبادةٍ فقط،
بل كان حدثًا مفرحًا، موعدًا سنويًا مع الطمأنينة.
لكلِّ شيءٍ فيه طعمٌ آخر ، لمةُ العائلات، صائمٌ جديدٌ يُحتفى به، نومٌ متقطعٌ لكنه جميل، صلاةُ التراويح في المساجد الممتلئة، ضحكاتُ شباب الحي وهم يركضون خلف الكرة قبل الإفطار،انتظارُ لحظةِ الغروب على أحرّ من الجمر، روائحُ الطعام المنبعثة من البيوت المجاورة، أطفالٌ يحملون أطباقًا للجيران ويعودون بأطباقٍ أخرى، والدقائقُ الحاسمة قبل أن ينطق المؤذن:
“الله أكبر… الله أكبر…”
مائدةٌ عامرةٌ بما لذَّ وطاب، وأرواحٌ عامرةٌ بما هو أعمق من الطعام.
اليوم جاء رمضانُ مختلفًا ، جاء كحدثٍ عابرٍ بلا تجهيزاتٍ ولا استعدادات ، جاء ليكسر روتين حياةٍ ما بعد الحرب، حياةٍ فقدت الكثير، حياةٍ ذاب فيها الأمل كما كانت تذوبُ شموعُ فوانيسنا قديمًا… لكن دون أغنية.
اليوم، في خيامٍ بسيطة، أو بيوتٍ مهدمّةٍ نصفها في الأرض ونصفها في الذاكرة، ينتظرُ الصائمون صوتَ المؤذن على مائدةٍ متواضعة: صحنان أو ثلاثة يجتمعُ حولها جميعُ أفراد العائلة ، كأسُ شايٍ، فنجانُ قهوة، وغيابٌ ثقيلٌ للقطايف،
وغيابٌ أثقلُ للطمأنينة.
نفسياتٌ متعبة، أطفالٌ يتمنّون أشياءً صغيرةً ولا يحصلون عليها، آباءٌ وأمهاتٌ لا يملكون من الأمر إلا أن يهمسوا:
“لا حول ولا قوة إلا بالله.”
لم تعد الأسواق تعجّ كما كانت، ولا الفوانيس تُعلَّق كما اعتدنا،
ولا الحارات تمتلئ بأصوات الأطفال وهم ينشدون.
حتى الأناشيد خفتت، وكأن الحرب سرقت من أصواتنا طبقتها العالية.
أفتقدُ تلك الدائرة الصغيرة حول أخي محمد.
أفتقدُ صوت المسمار وهو يخترق العلبة، وأفتقدُ دهشتنا الأولى حين يتوهج الضوء من الثقوب.
اليوم… لا نجمعُ علب الحليب لصنع الفوانيس، بل نبحثُ عنها لنملأها بما يسدُّ رمق الصغار.
كبرنا كثيرًا، لكن قلوبنا ما زالت تبحثُ عن فانوسٍ صغيرٍ يضيء هذا العتم الكبير.
رمضان كريم… رغم كل شيء.
رمضان كريم… حتى وإن جاء حزينًا، مكسور الجناح، يمشي بين الخيام بخطى ثقيلة، ويجلسُ على موائدنا البسيطة بصمتٍ طويل.
رمضان كريم… في غزة، حيث ما زلنا ننتظرُ أن يعود الشهرُ يومًا كما كان…
قمرًا كاملًا، لا ظلَّ حربٍ يمرُّ من أمامه.

شارك المقال: