مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

ما الذي تخشاه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟

لا تخشى واشنطن تغيير الحكومات بقدر ما تخشى تغيير القواعد. الطاقة، أمن إسرائيل، الممرات البحرية، ومنع كسر السقف النووي الإيراني… ثوابت تحكم الاستراتيجية الأمريكية، فيما تبقى المتغيرات مقبولة ما دامت لا تمس مركز النفوذ.

مشاركة:
حجم الخط:

ليست كل المخاوف الأمريكية في الشرق الأوسط عسكرية، وليست كلها مرتبطة بدولة بعينها. الخشية الحقيقية أعمق من صراع حدود أو تغيير حكومة. هي خشية تتعلق بالبنية، بالإيقاع، وبمن يملك مفاتيح التوازن في منطقة ما زالت تمسك بثلاثة مفاصل من مفاصل النظام العالمي: الطاقة، والممرات، وإسرائيل.

الولايات المتحدة لا تخشى الشرق الأوسط بوصفه ساحة اضطراب فقط، بل بوصفه عقدة استراتيجية. ما تخشاه ليس أن تتغير الحكومات، بل أن تتغير القواعد.

الطاقة

أول ما تخشاه واشنطن هو فقدان القدرة على ضبط إيقاع الطاقة العالمي. منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع ترسيخ نظام البترودولار، أصبح تسعير النفط بالدولار حجر زاوية في الهيمنة المالية الأمريكية. ليس النفط مجرد سلعة، بل هو آلية طلب دائم على الدولار. أي تحرك جاد نحو تسعير واسع النطاق للنفط بعملة أخرى — اليوان مثلًا — يعني تقليصًا تدريجيًا لطلب العالم على العملة الأمريكية. هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه إن حدث، فإنه يمس عصبًا حيويًا في البنية المالية الأمريكية.

الأمر الثاني الذي تخشاه الولايات المتحدة هو اختلال ميزان الردع حول إسرائيل. الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس تفصيلًا تكتيكيًا، بل ثابتًا استراتيجيًا منذ اعتراف هاري ترومان بها عام 1948. قد تتغير لهجة الخطاب بين إدارات ديمقراطية وجمهورية، لكن الالتزام الأمني لم يتغير. ما تخشاه واشنطن هو ظهور معادلة إقليمية تُقيد حرية إسرائيل العسكرية، أو تُدخل قوة عظمى منافسة في ترتيبات الأمن المباشر حولها. لذلك، حين تتحرك روسيا أو الصين في ملفات إقليمية حساسة، فإن القلق الأمريكي لا يكون من الحدث نفسه، بل من تراكم النفوذ.

ثالث المخاوف يتعلق بالممرات. مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس… ليست مجرد نقاط جغرافية، بل شرايين التجارة العالمية. أي قوة إقليمية أو دولية تستطيع التأثير المستمر في هذه الممرات، تمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود المنطقة. واشنطن لا تسمح بأن يصبح التحكم في هذه النقاط بيد خصم استراتيجي. لهذا تُبقي حضورها البحري، حتى عندما تعلن أنها تقلص انخراطها.

لكن ما الذي تخشاه الولايات المتحدة أن يسبقها إليه أحد؟

تخشى أن تسبقها الصين إلى هندسة نفوذ اقتصادي طويل الأمد في المنطقة، قائم على الاستثمار والبنية التحتية لا على القواعد العسكرية. مبادرة الحزام والطريق ليست مشروع طرق فحسب، بل مشروع نفوذ. الصين لا تنافس واشنطن عسكريًا في الخليج، لكنها تبني اعتمادًا اقتصاديًا متبادلًا مع دول الطاقة. إذا نجحت بكين في ربط الطاقة الخليجية بسلاسل إنتاجها وبعملتها تدريجيًا، فإن ذلك يخلق مسارًا موازٍ للنظام المالي التقليدي.

تخشى كذلك أن تُنتج المنطقة توازنًا إقليميًا مستقلًا لا يحتاج إلى مظلة أمريكية. إذا تشكلت معادلة أمن جماعي إقليمي فعّالة، تُقلل الحاجة إلى الضمانة الأمريكية، فإن ذلك يُضعف أوراق واشنطن التفاوضية. الولايات المتحدة لا تعارض الاستقرار، لكنها تفضّل أن يكون استقرارًا يمر عبرها، لا خارجها.

أما ثوابتها في المنطقة، فهي واضحة وإن لم تُعلن بصيغة واحدة: أمن إسرائيل، حرية الملاحة، منع ظهور قوة إقليمية مهيمنة معادية، ومنع انتشار سلاح نووي خارج إطار الضبط. هذه ثوابت لم تتغير بين بوش وأوباما وترامب وبايدن، رغم اختلاف الأساليب. قد تتباين الأدوات — ضغط أقصى، دبلوماسية متعددة الأطراف، عقوبات، تحالفات — لكن الهدف واحد: ضبط التوازن.

المتغيرات التي تسمح بها واشنطن واسعة نسبيًا. يمكنها التعايش مع أنظمة سياسية مختلفة، مع تحالفات مرنة، وحتى مع تقارب بعض حلفائها مع الصين أو روسيا اقتصاديًا، طالما أن الخط الأحمر الأمني والمالي لم يُمس. تسمح بقدر من الاستقلال، لكنها لا تسمح بتغيير القواعد.

هل تخدمها هذه المرحلة أم العكس؟

المرحلة الحالية تحمل وجهين. من جهة، الاعتماد الأمريكي المباشر على نفط الشرق الأوسط تراجع بسبب طفرة الطاقة الصخرية، ما منح واشنطن هامشًا أكبر للمناورة. ومن جهة أخرى، التنافس مع الصين جعل المنطقة ذات أهمية مضاعفة، ليس كمصدر طاقة لأمريكا، بل كمصدر طاقة للصين. بمعنى آخر، لم تعد واشنطن تحتاج نفط الخليج كما في السابق، لكنها لا تريد أن تتركه خارج شبكة نفوذها.

الاضطراب الإقليمي المستمر يمنح الولايات المتحدة دور “الموازن الخارجي” الذي يُطلب عند الأزمات. لكنه في الوقت نفسه يخلق استنزافًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويُعقّد صورتها الدولية. لذلك نراها تتحرك بين تقليص الوجود المباشر، والحفاظ على القدرة على العودة السريعة.

وإذا كانت هذه هي الصورة العامة، فإن زاوية العراق وتركيا وإيران تكشف العمق الحقيقي للحساب الأمريكي.

العراق، في القراءة الأمريكية، ليس مجرد دولة ذات سيادة، بل عقدة توازن بين الخليج وإيران وسوريا وتركيا. منذ 2003، لم يعد العراق ملفًا عسكريًا فحسب، بل أصبح ملفًا ماليًا وأمنيًا مزدوجًا. واشنطن تنظر إلى بغداد من زاويتين متداخلتين: الأولى تتعلق بمنع تحوّلها إلى منصة نفوذ إيراني كامل، والثانية تتعلق بضبط تدفقات الدولار والنظام المصرفي العراقي ضمن شبكة الامتثال المالي العالمية. ما تخشاه واشنطن في العراق ليس فقط انفلاتًا أمنيًا، بل انفلاتًا ماليًا يُضعف أدواتها الضابطة.

أما تركيا، فهي حالة مختلفة. عضو في الناتو، لكنها دولة ذات طموح استقلالي وموقع جيوسياسي مفصلي بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. الولايات المتحدة لا ترى في تركيا خصمًا استراتيجيًا، لكنها تتحسب من تحوّلها إلى لاعب إقليمي قادر على نسج شبكة علاقات متوازنة مع روسيا والصين وإيران بمعزل عن الإطار الغربي. ما تخشاه واشنطن هنا ليس خروج أنقرة من التحالف، بل إعادة تعريف دورها داخله. تركيا تمثل نقطة ارتكاز في البحر الأسود وشرق المتوسط والممرات البرية نحو آسيا الوسطى. وأي تغير في تموضعها يعيد حسابات الردع في أكثر من مسرح.

إيران تمثل التحدي الأكثر وضوحًا.

هي خصم معلن في جوانب عدة. الثابت الأمريكي تجاه إيران هو منعها من امتلاك سلاح نووي، ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة تُقيد حرية الحركة الأمريكية أو الإسرائيلية. غير أن واشنطن، رغم خطابها الصارم، تدير الصراع مع طهران ضمن حدود محسوبة. فهي تسمح بقدر من الاشتباك غير المباشر، لكنها تتحاشى الانزلاق إلى حرب شاملة قد تخلخل الممرات وتُربك سوق الطاقة.

إذا جمعنا الزوايا الثلاث، يتضح أن المعادلة الأمريكية الحالية تقوم على إدارة توازن دقيق: عراق لا ينفلت ماليًا وأمنيًا، تركيا لا تنتقل إلى شراكة عسكرية استراتيجية عميقة مع روسيا أو الصين.
، وإيران لا تكسر السقف النووي أو تعيد تعريف قواعد الردع. هذه ليست معادلة مثالية لواشنطن، لكنها معادلة مقبولة طالما أن الثوابت لم تُمس.

الخلاصة أن الولايات المتحدة لا تخشى التغيير بحد ذاته، بل تخشى التغيير الذي يُنتج نظامًا لا تكون هي مركزه أو ضابط إيقاعه. تخشى أن يُعاد تعريف قواعد اللعبة المالية أو الأمنية دون أن تكون على الطاولة. وتسمح بكل متغير لا يمس الثوابت.

الشرق الأوسط، في نظر واشنطن، ليس ساحة هامشية، بل عقدة يجب أن تبقى ضمن الشبكة. والسؤال ليس هل ستبقى أمريكا هنا أم لا، بل: هل ستبقى القواعد كما هي، أم أن المنطقة قادرة على إنتاج قواعد جديدة؟

شارك المقال: