محمد عبد اللاه يكتب: قلق السنوات الأخيرة
كان مبارك قد سمح للصحف في وقت سابق بانتقاد المسؤولين في حكومته، بمن في ذلك رئيسها، بل والهجوم عليهم ليميز نفسه بحصانة من النقد، وليترك مجالا لتفريغ شحنات الغضب الشعبي.
الرئيس المصري الأسيق حسي مبارك انهى عهده بثورة على التلبد والجمود
أولا ـ
في سنة 2001 قابلت مسؤولا كبيرا في الدائرة المحيطة بالرئيس حسني مبارك لأشكو له صدور ثالث حكم بحبسي في قضايا سب وقذف رفعها ضدي رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير الأهرام إبراهيم نافع.
قتذاك كانت قد مرت 20 سنة على تولي مبارك حكم مصر، بالحاسة الصحفية سألت: هل الدولة جادة فعلا في مساعي توريث الحكم لجمال مبارك؟
ثم فتحت نسخة من صحيفة “الجمهورية” كان على صدر صفحتها الأولى تقرير كبير عن نشاط جمال السياسي.
قال المسؤول: “تفتكر ينفع عيل يحكم مصر؟”وأضاف بلهجة حاسمة: “لا هو ولا الشلة بتاعته.”
أدركت أن الانقسام راح يدب في صفوف النظام الحاكم بشأن مسألة خطيرة هي: من يحكم مصر بعد مبارك؟
كنت مفصولا من الأهرام. وحتى لو كنت على قوة العمل فيه لم يكن ممكنا أن أنشر مقالا عن هذا الانقسام الخطير.
ثانيا
مع بداية فترة الرئاسة الرابعة لمبارك سنة 1999، كان هناك في الداخل والخارج من يقولون: أربع فترات تكفي.
وفق هذه الرؤية كان متعينا أن تنتهي رئاسة مبارك سنة 2005، لكن مبارك كان حريصا على التمديد له “لغاية آخر نفس”… كما قال.
الأكثر من ذلك أن إشارات توريث الحكم لجمال كانت تتواتر.
لم تفلح تصريحات مبارك وابنه اللاحقة بشأن غياب نية التوريث في إقناع أحد بأن الأمر خارج الحساب.
في آخر مؤتمر عام للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم سنة 2007 حضرت، وكنت أعمل في وكالة رويترز للأنباء، مؤتمرا صحفيا لجمال مبارك.
كان جمال ينفي وكنا نضحك.
كانت الأسئلة في غالبها عن التوريث.
ثالثا
مع اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الرابعة لمبارك انطلقت في ديسمبر 2004 أولى مظاهرات الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) رافعة شعار “لا للتمديد.. لا للتوريث”
في وقت مقارب أخذت الصحف المستقلة تكيل الانتقادات لمبارك الذي كان تناوله قبل ذلك بما يخالف التعليمات خطا أحمر.
كان مبارك قد سمح للصحف في وقت سابق بانتقاد المسؤولين في حكومته، بمن في ذلك رئيسها، بل والهجوم عليهم ليميز نفسه بحصانة من النقد، وليترك مجالا لتفريغ شحنات الغضب الشعبي.
رابعا
أنا أعتبر الفترة من ديسمبر 2004 إلى 25 يناير 2011 سنوات القلق في رئاسة مبارك التي استمرت 30 سنة.
فيما يلي بعض التفاصيل:
1ـ يوم 26 مارس 2008 قضت محكمة جنح بولاق بحبس إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة الدستور (في ذلك الوقت) 6 أشهر بتهمة نشر أخبار كاذبة.
وحكمت المحكمة عليه بدفع كفالة 200 جنيه (36 دولارا في ذلك الوقت) لايقاف تنفيذ الحكم مؤقتا.
ماذا كانت ألأخبار الكاذبة التي نشرها إبراهيم في أغسطس 2007 وعوقب عليها قي مارس 2008؟
كانت: “تقارير عن مرض مبارك بقصور في الدورة الدموية يتسبب في إصابته باختلال التوازن.”
لكن المهم أيضا أن عيسى كان (كما قلت في تغطيتي للحكم في وكالة رويترز) دائم الانتقاد لمبارك وأسرته، ويبرر ذلك بأن حكام الدول يجب ألا يحاطوا بقداسة.
اليوم أقول: كان عيسى يعمل في نطاق “الضوء الأخضر” الذي أتاح للصحف المستقلة مهاجمة مبارك.
يوم 28 سبتمبر 2008 صدر حكم نهائي في القضية بحبس إبراهيم شهرين.
سألني بالهاتف:
ـ أعمل أيه يا أستاذ محمد؟
ـ نفذ الحكم يا أستاذ إبراهيم ليكون حبسك إدانة للعهد يستحقها مبارك.
لكن يوم 6 أكتوبر 2008 صدر عفو رئاسي عن إبراهيم عيسى
أتصور أن داعمين في الجناح الحاكم المعارض لتوريث جمال شفعوا لإبراهيم عند الرئيس.
ـ كان إبراهيم أحد أربعة رؤساء تحرير حكمت عليهم محكمة جنح بالحبس سنة وغرامة 20 ألف جنيه في سبتمبر من نفس السنة لإدانتهم باهانة مبارك وجمال العضو القيادي في الحزب الوطني الديمقراطي وقتئذ.
عبرت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء الأحكام الصادرة على رؤساء التحرير، لكن حكومة مبارك ردت برفض الانتقادات باعتبارها “تدخلا لا تقبله مصر في شؤونها الداخلية.”
3 ـ آخر زيارة معلنة ورسمية قام بها جمال للولايات المتحدة كانت في مارس 2009 ووقعت بين أول الشهر والسابع منه.
التقى جمال خلال الزيارة مع عدد من المسؤولين الأمريكيين كان من بينهم نائب وزيرة الخارجية جيمس ستاينبرج، ووكيل وزارة الخارجية وليام بيرنز (مدير
وكالة المخابرات المركزية قبل رئيسها الحالي جون راتكليف) وعدد من أعضاء الكونجرس من بينهم السناتور جون كيري الذي شغل منصب وزير الخارجية
من 1 فبراير 2013 إلى 20 يناير 2017.
أثارت الزيارة كثيرا من الجدل والتساؤلات بشأن طبيعتها، والصفة السياسية لجمال، والتعتيم الإعلامي الذي صاحب بعض جلساتها المغلقة مع الأمريكيين.
قيل إن جمال، الذي طالما وصف العلاقات بين مصر والولايات المتحدة بأنها استراتيجية، ذهب إلى واشنطن ليحصل على تأييد الإدارة الأمريكية لرئاسته
لمصر خلفا لوالده. وقيل أيضا إنه لم يحصل على هذا التأييد.
خامسا
في البدء كانت المظاهرات المطالبة بخلع مبارك ومنع جمال من الجلوس على المقعد الكبير ثابتة، وبالقرب من النهاية (غالبا في 2010) تحولت إلى مسيرات حاشدة تجوب شوارع القاهرة.
عند هذه النقطة رأيت أفرادا من الشرطة العسكرية يختلطون بالمحتجين ويتابعون ما يجري.
أظن أن هؤلاء الأفراد كانوا من إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع التي شغل اللواء عبد الفتاح السيسي منصب مديرها يوم 3 يتاير 2010.
وصل السيسي إلى منصب مدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع بقرار من مبارك واستمر فيه إلى أن عينه الرئيس محمد مرسي وزيرا للدفاع والإنتاج
الحربي وقائدا عاما للقوات المسلحة يوم 12 أغسطس 2012 بعد أن أقال المشير محمد حسين طنطاوي من المنصب.
كان الإخوان المسلمون، الذين شغل مرسي منصب رئيس الدولة باسمهم وبجهدهم، أحد المكونات الرئيسية في الحركة المصرية من أجل التغيير، وحضروا بعض مظاهراتها.
لكنهم في مراحل مبكرة انسحبوا من كل مظاهرة تردد فيها هتاف “يسقط يسقط حسني مبارك”.
كانوا يمسكون بشعرة معاوية إلى أن ظهر لهم أن حكم مبارك ذاهب إلى غير رجعة فظهروا باعتبارهم القوة الأكبر التي تحرك الشارع وتفرض التغيير.
كان باديا لي أنهم توصلوا إلى اتفاق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تخلى عن مبارك تحت ضغط الاحتجاجات العارمة، يضمن مكاسب سياسية للجماعة في مقابل سلطة علوية لقيادة الجيش.
كان باديا لي أن الإخوان مطلوب منهم أن يؤيدوا من ترشحه قيادة الجيش لمنصب الرئيس، لكن سرعان ما دب الخلاف بين الجانبين بعد أن فشلت الجماعة في الاتفاق مع مرشح من غير أعضائها تدعمه ليكون رئيسا.
سادسا: القلق سمة ملازمة لرئاسة السيسي من بدايتها يوم 8 يونيو 2014
ألخص أسباب ذلك في أن العنف اندلع خلال جهود حسم المعركة ضد مبارك، وهي الجهود التي شارك الإخوان فيها بنصيب كبير ابتداء من يوم 25 يناير 2011.
سقط شهداء ومصابون من المواطنين والشرطة والجيش خلال الحسم. واستمر العنف سنوات بعد أحداث 25 يناير، وكان أخطره عنف فض اعتصامي
رابعة والنهضة وعنف ميادين وشوارع كثيرة في ربوع مصر، ولاحقا في سيناء والواحات.
رغم أن السيسي حسم جميع المعارك لمصلحة الجانب الذي يقف فيه، استمر القلق في ضوء تدهور مستوى المعيشة الناجم عن سياسات اقتصادية
غاب عنها التوازن، وخاصمتها دراسات الجدوى وغيرها من محددات النشاط الاقتصادي القويم.
سابعا: القلق يبلغ مداه
بلغ القلق مداه مع إعلان السيسي قبل أيام أنه لن يحاول تعديل الدستور ليمدد رئاسته إلى ما بعد 16 سنة في الحكم تمثل أربع فترت رئاسية بموجب الدستور الذي جرى انتخابه في ظله.
أحسن السيسي صنعا لأنه لم يكابر مثل مبارك.
لا هو راغب في التمديد ولا طامع في التوريث. على الأقل في ضوء ما نرى ونسمع إلى اليوم,
لكن بقي القلق شديدا لما تمثله مسألة شغل المنصب الأول بعد السيسي من أهمية قصوى.
القلق شديد في دوائر المستفيدين بالملايين والمليارات من العهد.
أظن أننا سنعيش سنوات القلق الأخيرة في حكم السيسي على مدى الفترة حتى أبريل 2030 (نهاية حكم السيسي).
ثامنا: وأخيرا نصيحتي
إن كان لي أن أكون في موقف الناصح، أن يعلن من يطمحون إلى اعتلاء القمة عن أنفسهم، وأن يتواصلوا مع الجماهير. ومن حسن الحظ أن وسائل
الإعلام الاجتماعي تمثل صحافة حرة متاحة لهم بغير قيود.
وسائل الإعلام الاجتماعي موجودة خارج نطاق سيطرة السيسي الذي قال للناس ذات يوم “متسمعوش كلام حد غيري.”
بالتالي لا عذر لأحد، ولا حق لأحد في أن يطالب بصحافة حرة في وجود هذه الصحافة.
أرى أن يبدأوا فورا. فلا أحد يعرف ما ستأتي به الأيام ولا متى تأتي به.
شاركنا برأيك