محمد عبد الشكور يكتب: عندما تصبح البرلمانات بالتوريث والمال السياسي
البرلمان الذي لا يخرج من رحم الشعب عبر انتخاباتٍ حقيقيةٍ ونزيهةٍ هو برلمانٌ عاجزٌ عن حماية وطنه أو التعبير عن تطلعات شبابه.
لقد اصبح البرلمان ليس تعبيرا عن المواطن بل عن نفوذ المال
في زمنٍ تلاشت فيه معايير التمثيل النيابي الحقيقي وساد فيه منطق الهندسة الأمنية والصفقات المغلقة، تطل علينا فصول جديدة من مهزلة العمل البرلماني في مصر حيث لا مكان للكفاءة ولا اعتبار لإرادة الناخبين، بل تدور عجينة السياسة على وقع التوريث الفاضح وشراء المقاعد بالأموال الباهظة، وذلك على مرأى ومسمع من أجهزة دولةٍ من المفترض أنها تحرس الدستور لا أن تفرغه من مضمونه.
قبل أيامٍ قليلةٍ توفيت إحدى أعضاء مجلس النواب عن دائرة فرشوط بمحافظة قنا، وهي النائبة أماني أبو سحلي، عضو مجلس النواب عن القائمة الوطنية من أجل مصر – حزب حماة الوطن بمحافظة قنا.
لتخرج المواقع الصحفية معلنةً على الفور وبكل بساطةٍ تصعيد ابنتها ديانا أبو سحلى لترث المقعد البرلماني عن القائمة المغلقة المسماة “القائمة الوطنية من أجل مصر” التي فازت بأكملها بفضل الترتيبات المسبقة والهندسة الأمنية المحكمة.
برلمان الأمن والتوريث
لم تكن هذه الواقعة بدعًا من القول بل هي امتدادٌ لسيستمٍ متكاملٍ من توريث النفوذ والمقاعد التي تحولت إلى تركاتٍ عائليةٍ تسلم للأبناء والزوجات دون عناء انتخاباتٍ ولا صراعٍ برامجيٍ حقيقيٍ.
أما حين نتأمل دفتر الوقائع والشواهد الحية، نرى العجب العجاب في برلمانات الأمن والتوريث، فليست واقعة ديانا أبو سحلى سوى حلقةٍ في مسلسلٍ طويلٍ بدأ مبكرًا منذ برلمان عام ألفين وستة عشر حين صُعِّد نادر مصطفى مكان الراحل سامح سيف اليزل.
وذلك وفقًا لقائمة الاحتياطى بالقاهرة الكبرى فإن البديل الوحيد للواء سامح سيف اليزل والذى وضعته قائمة “فى حب مصر” هو المرشح نادر مصطفى أحمد الذى وضعته القائمة رقم واحد.
ثم تكررت المأساة مرارًا وتكرارًا في برلماناتٍ لا تنتهي، فها هي هالة موسى تصعد مكان والدها الراحل السيد حسن موسى.
ها هي آية متى تخلف والدها فوزي متى، وتكرر الأمر مع النائبة رغدة عبد السلام التي ورثت مقعد والدتها المتوفية ابتسام أبو رحاب.
كذلك النائبة أسماء الجمل التي ورثت مقعد والدها سعد الجمال، إضافةً إلى نماذج أخرى عديدةٍ مثل رنا رؤوف التي خلفت والدتها أمنية خلف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتد ليشمل عائلات نفوذٍ وأبناء وزراء سابقين ورجال أعمالٍ بارزين مثل أبناء الوزراء السابقين عاصم الجزار والسيد القصير ومحمد سعفان.
ضاربين بعرض الحائط كل قواعد التنافس الشريف لتصبح القوائم المغلقة بمثابة الحاضنة الكبرى لورثة الكراسي والوجوه المتكررة التي لا تعرف شيئًا عن هموم الشارع المصري البسيط.
فشل نظام القائمة المطلقة
لقد أثبتت التجربة البرلمانية الحالية والسابقة بوضوحٍ تامٍ فشل نظام القائمة المغلقة المطلقة وعدم تحقيقه لأي هدفٍ من أهداف التمثيل الديمقراطي السليم.
حيث جرى تفصيل هذه القوائم لضمان فوز أشخاصٍ بعينهم ودفع آخرين الملايين الطائلة للحصول على مواقع في قوائم الاحتياط المخصصة للورثة والأقارب.
المال السياسي وشراء المقاعد
وتكشف التقارير الموثقة وحالات الصراع العلني بين الكوادر الحزبية داخل أحزاب السيطرة، مثل “مستقبل وطن” و”حماة الوطن”، عن فضائح تسعير المقاعد التي تراوحت بين خمسةٍ وعشرين وخمسين مليون جنيهٍ، بينما يدفع الوافدون من خارج الأحزاب أرقامًا مضاعفةً بعلم كبار المسؤولين.
ولعل ما نشرته الكادر الحزبي حنان فايز في بثٍ مباشرٍ تشكو فيه طلب خمسةٍ وعشرين مليون جنيهٍ منها يؤكد أن المال السياسي بات هو المعيار الأوحد.
وهو ما ينتج برلمانًا عديم الأهلية السياسية غارقًا في طين المصالح الشخصية وشراء النفوذ، بعيدًا كل البعد عن هموم المواطن البسيط الذي لا يجد من يدافع عنه تحت قبة البرلمان المفترض أنه يمثله، فلا يهتم بتشريعاتٍ تخدم المواطنين بل بتشريعاتٍ تخدم مصالح تلك الفئة المستبدة وحدها.
إن الشارع المصري لا يكترث بالأحزاب الورقية ولا يعرف برامجها الهلامية ولا يعبأ بكل تلك الديكورات السياسية المصنوعة في الغرف المغلقة، بل إن المواطن البسيط لا يعرف مرشحه إلا من خلال الأفراد والخدمات والتواصل المباشر والملامسة الحقيقية للشارع.
تعديل النظام الابتخابي إلى الفردي أو النظام المختلط
ومن هنا فإن الأمل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحياة السياسية في مصر يتمثل في إلغاء هذه القوائم المعيبة والعودة الكاملة للترشيح الفردي أو النظام المختلط الذي يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية ويجعل الناخب هو صاحب الكلمة الفصل في اختيار من يمثله بصدقٍ وأمانةٍ، بعيدًا عن كتل المال السياسي والصفقات المفروضة فوق الهامش الديمقراطي المتاح.
إن استمرار هذا الوضع الكارثي وهيمنة طبقة رجال الأعمال وأصحاب المصالح والورثة على مفاصل التشريع يعني ببساطةٍ غياب القوانين التي تخدم المواطنين لصالح تشريع قوانين تفصل خصيصًا لحماية مصالح تلك الفئة المستبدة.
وهو ما ينخر في عظم الدولة من داخلها وينذر بعواقب وخيمةٍ على الاستقرار العام.
البرلمان الذي لا يخرج من رحم الشعب عبر انتخاباتٍ حقيقيةٍ ونزيهةٍ هو برلمانٌ عاجزٌ عن حماية وطنه أو التعبير عن تطلعات شبابه.
ولن تقوم لمصر قائمةٌ في مسارها الديمقراطي والتنموي إلا بتطهير الحياة السياسية من آفة المال السياسي وإيقاف مهزلة توريث المقاعد البرلمانية واحترام الدستور والقانون إجلالًا لإرادة هذا الشعب العظيم.
شاركنا برأيك