علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: السادات قتل مرتين؟

كشف السادات مبكراً عار الحكام العرب الخونة الذين كانوا يودون استمرار مصر مهيضة مفتتة كما فعلوا لاحقا مع سورية والعراق، عندما رفضوا تقديم بعض المساهمات او القروض لمصر عقب حرب اكتوبر بحجة عدم توافر دراسات جدوى

مشاركة:
حجم الخط:

إذا قيّمنا الأمور بالهوى والعواطف الشخصية فلا ننتظر أبدا الحصول على نتائج موضوعية، وعندما نتابع سيرة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولا نركز فقط على بعض النتائج السلبية لكامب ديفيد،أو على كراهية شكلية له، كما عيره حسنين هيكل بأمه” ست البرين” سنكتشف أننا أمام شخصية وطنية وقائد عظيم القدر، متواضع غير متعالٍ، اتخذ قرارات استراتيجية لم يفعلها غيره.

هو يعتبر شهيداً دون شك، فقد راح ضحية الغباء الاستراتيجي والتآمر معاً، في الوقت الذي كانت تنتظر فيه البلاد استكمال تحرير سيناء، بعد أن كان قد اتخذ قراراً بالتفاوض مع العدو من أجل استكمال تحريرها الذي بدأه بمعركة السادس من أكتوبر، التي يرجع له وحده فضل البطولة فيها، ومجد تحقيق التحرير وشرف غسل العار.

لقد كانت حرب أكتوبر ذروة معاركه السياسية والعسكرية معاً

بعد أن طرد المستشارين السوفييت عام 1972 لأنهم كانوا يماطلون في تسليح مصر ويحاولون فرض وصايتهم عليها، حيث خطط السادات بهدوء لضربة محدودة لكنها مزلزلة.

في السادس من أكتوبر عبر الجيش المصري قناة السويس تحت نيران كثيفة، ودمر خط بارليف الذي كان يُعتبر حصناً منيعاً، واستعاد جزءاً من الأرض والكرامة في ساعات معدودة.

لم يكن الهدف من هذه المعركة احتلال تل أبيب، بل كسر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وإجبار العالم على الاعتراف بأن مصر قادرة على المبادرة لا على الانتظار فقط.

نجح السادات وجنوده في ذلك نجاحاً عسكريا وسياسياً ساحقاً

حتى إن إسرائيل نفسها اضطرت بعد الحرب إلى الجلوس على مائدة المفاوضات، كما بدأت عملية استعادة سيناء شبراً شبراً حتى عادت كاملة،
وبالمناسبة فهذا التفاوض ليس منكرا دائما، فكافة النزاعات المسلحة تنتتى بالتفاوض، ومثال على ذلك أمامنا إيران الثورية تتفاوض مع من قتلوا قادتها ورموزها واطفالها ودمروا مقدرات شعبها،ولا يمكن لأحد أن يلومها الا اذا استسلمت وقبلت بكافة شروط العدو .

مصر السادات تفاوضت واعادت سيناء كامل ولم ترتكب جرما مشينا

أما على المستوى القومى فكان من الممكن احتواء الأمور واعتبار ماحدث مجرد خطوة تكتيكية،تليها مرحلة جديدة وسريعة للتضامن العربى بعد استعادة الدور المصرى المعزز بعودة سيناء،لكن قصر نظر بعض القادة العرب، وضيق افقهم، وحقدهم على مصر ساهم فى اتساع الشقة وحصار مصر، عقب حرب اكتوبر، وقبل الزيارة المتسرعة الانفعالية للقدس، وقبل كامب ديفيد، بل وطلبوا من مصر دراسات جدوى لمنحها اية قروض لتمويل اى مشروع ، مما ادى الى انتفاضة يناير 1977، ثم انفعال السادات وتوجهه للحل الفردى.

العرب بعد ذلك تآمروا على ثورة 25 يناير حتى اسقطوها،كما سرقوا تيران وصنافير، وهم انفسهم من شاركوا فى حصار و واحتلال وتدمير العرا، ثم تفرجوا على غزة بل واقاموا حفلات الترفيه وسط المذابح.

ها هم الان يتآمرون ضد ايران ولبنان واليمن، بل وقصفوا العراق منذ اشهر قليلة بالمشاركة مع قوات امريكية، فلا زيارة القدس ولا كامب ديفيد هى من مزق العرب، بل أن العرب لديهم عيوب فى الصناعة تجعلهم عاشقين لتدمير ذواتهم.

لعل فى موقف مصر المحترم عام 2012 عندما شنت اسرائيل عدوانا على غزة، وتهديد مصر صراحة لاسرائيل بضرورة وقف العدوان، ما يوضح ان الارادة السياسية المنقوصة، والانبطاح المزمن،والجبن المتفشي، هى العوامل الرئيسية التى تمنع التضامن الحالى مع غزة ولبنان وسائر القضايا العربية ، وليست كامب ديفيد.

 لم تقتصر معارك السادات على الجبهة الشرقية فقط

فعندما حاولت إثيوبيا التلاعب بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، هددها السادات صراحة بمحوها من على وجه الأرض إن مُسّت الحصة المصرية، فتراجعوا كالكلاب الضالة.

كما كشف السادات مبكراً عار الحكام العرب الخونة الذين كانوا يودون استمرار مصر مهيضة مفتتة كما فعلوا لاحقا مع سورية والعراق، عندما رفضوا تقديم بعض المساهمات او القروض لمصر عقب حرب اكتوبر بحجة عدم توافر دراسات جدوى.

وهو موقف ترتب عليه وقوع انتفاضة يناير عام 1977، الامر الذى كان له بالغ الأثر فى اندفاع الرجل نحو اتخاذ خطوات صادمة لحل مشاكل البلاد ، من بينها زيارته المباغتة المتسرعة للقدس.

والقبول بالتفاوض المباشر مع العدو واعتماد الولايات المتحدة شريك أساسى لوقف الصراع مع الصهاينة خاصة بعد المواقف السوفيتية التى تسببت فى هزيمة يونيه عام 1967،عندما طلبت موسكو من مصر عدم المبادئة بالهجوم على اسرائيل بأى حال من الأحوال.

فكانت النتيجة أن تم سحقنا دون انذار، وهى حقائق وردت على لسان الرئيس جمال عبد الناصر نفسه فى إحدى خطاباته عقب الهزيمة؟

أما على صعيد الحريات فيكفي الرجل أنه أعاد فكرة الأحزاب السياسية بعد أن كانت قد ترسخت فكرة التنظيم الطليعي والاتحاد الاشتراكي وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد والإعلام الواحد,

وبدأنا نتعرف على جرائد المعارضة مثل جريدة الشعب والأهالي والوفد والأحرار و الدعوة والاعتصام والمختار والموقف العربي ودراسات اشتراكية وغيرها.

الرئيس المصري أنور السادات والأمريكي كارتر ومناحم بيجن أثناء توقيع اتفاقية السلام
الرئيس المصري أنور السادات والأمريكي كارتر ومناحم بيجن أثناء توقيع اتفاقية السلام

على المستوى الشخصي لم يكن الرجل أنانياً أو نرجسياً ولا متعالياً

كما يحاول البعض تصويره، فمثلا عندما هاجمته الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بسبب اتخاذه قراراً بتطوير منطقة هضبة الأهرام، لم يأمر أحداً بتشويه سمعتها ولا تلفيق قضية لها، ولا تم سجنها او ترويع ذويها، بل بكل تواضع تراجع كقائد عظيم وألغى قراره بكل رحابة صدر.

على مستوى الانتماء الديني كان الرجل حريصاً على الهوية الإسلامية لمصر، وكانت الحريات الدينية في أوج مجدها في عهده، وأفرج عن الرموز الاسلامية السياسية التى كانت معتقلة، كما كان شجاعاً مقداماً، وعندما تطاول أحد الرموز الدينية غير الإسلامية ضد المسلمين وهدد الوحدة الوطنية، ألقى به في السجن، غير آبه ولا مبالى.

هو كأي زعيم سياسي له أخطاء ومساوئ،منها شروط كامب ديفيد ،أو حملة اعتقالات سبتمبر 1981، والبدء فيما اطلق عليه بالانفتاح الاقتصادى، لكنها اخطاء استهلكت من كثرة محاولات التدليس من أجل إبرازها باعتبارها الإنتاج الوحيد له خلال فترة حكمه القصيرة نسبياً.

كل التحية والتقدير لروحه التي يكفيها فخرا أنه استلم مصر ناقصة سيناء، ذليلة منكسرة مهزومة، وغادر الحياة وهي عزيزة محررة كريمة تزينها تيران وصنافير ، بينما كان جزاؤه القتل مرتين ،مرة انهاءا لحياته، ومرة تلويثا لسيرته !!

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع 

شارك المقال:

شاركنا برأيك