تقرير: العراق يطوي صفحة واشنطن العسكرية هل يبدأ صراع النفوذ على ذهب بغداد الأسود؟
العراق يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تقدر بأكثر من 145 مليار برميل، ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على صادرات الخام، حيث يمثل النفط الجزء الأكبر من إيرادات الدولة.
خروج القوات الأمريكية من العراق هل يفتح المستقبل أم الصراع
23 عامًا من الحروب والاحتلال والنفوذ تنتهي بخروج القوات الأمريكية، لكن السؤال الأصعب يبدأ الآن: من يحكم القرار العراقي بعد رحيل القوة التي غيّرت وجه المنطقة؟
في لحظة تحمل رمزية تاريخية كبيرة، أُسدل الستار على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، بعدما غادرت القوات الأمريكية الأراضي العراقية بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الذي بدأ بغزو عام 2003، ثم تحول بعد سنوات إلى وجود استشاري ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
لكن خروج القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة خروج النفوذ الأمريكي من العراق، كما أن انتهاء الوجود العسكري لا يعني انتهاء الصراع على العراق.
فالعراق يدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، مرحلة لا تحددها الدبابات والقواعد العسكرية فقط، بل تحددها معارك السياسة والاقتصاد والطاقة والهوية الوطنية.
فالعراق اليوم يقف أمام سؤال تاريخي: هل يستطيع بناء دولة ذات قرار مستقل تستفيد من موقعها وثرواتها، أم يتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية؟
إنها لحظة اختبار حقيقية لدولة تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي عالمي تقريبًا، وتنتج أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا، لكنها عانت خلال العقود الماضية من الحروب والعقوبات والانقسامات السياسية والتدخلات الخارجية.
من بغداد إلى واشنطن… قصة علاقة بدأت بالحرب وانتهت بسؤال السيادة
في عام 2003 قادت الولايات المتحدة عملية غزو العراق الذي أطاح بنظام صدام حسين، وهو القرار الذي غيّر الخريطة السياسية للمنطقة بالكامل.
وبعد سقوط النظام، تم حل الجيش العراقي السابق وإعادة بناء المؤسسات الأمنية من الصفر، وهي خطوة يعتبرها كثير من الباحثين واحدة من أهم الأسباب التي ساهمت في حالة الفوضى الأمنية التي شهدها العراق لاحقًا.
خلال السنوات التالية، شهد العراق صعود الجماعات المسلحة، وتصاعد العنف الطائفي، ثم ظهور تنظيم القاعدة في العراق، قبل أن يظهر تنظيم داعش عام 2014 ويستولي على مدينة الموصل ومساحات واسعة من البلاد.
في ذلك العام عادت القوات الأمريكية إلى العراق بطلب من الحكومة العراقية ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش.
بحسب التقارير الأمريكية، فقد قُتل نحو 4600 جندي أمريكي خلال الحرب العراقية وما بعدها، بينما تشير تقديرات مختلفة إلى مقتل مئات الآلاف من العراقيين نتيجة سنوات الحرب والعنف.
لكن بالنسبة لكثير من العراقيين، لم تكن القضية فقط عدد الجنود أو العمليات العسكرية، بل السؤال الأكبر: لماذا بعد أكثر من عشرين عامًا ما زال العراق يعاني من ضعف المؤسسات والصراعات الداخلية؟
لماذا جاء قرار الانسحاب الآن؟ هل انتهت المهمة أم تغيرت الحسابات؟
الانسحاب لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة تغيرات عديدة.
أول هذه الأسباب هو تغير طبيعة التهديد الأمني. فتنظيم داعش لم يعد يسيطر على مدن وأراضٍ كما حدث عام 2014، وتحول إلى خلايا محدودة النشاط، رغم استمرار التحذيرات الأمنية من إمكانية عودته إذا حدث فراغ أمني.
أما السبب الثاني فهو التحول في الرؤية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فواشنطن خلال السنوات الأخيرة بدأت تخفض وجودها العسكري المباشر في بعض المناطق، مع التركيز على المنافسة الكبرى مع الصين وروسيا.
أما السبب الثالث فهو الضغط السياسي الداخلي العراقي. فمنذ اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بغداد عام 2020، أصبح ملف الوجود الأمريكي داخل العراق أكثر حساسية، وارتفعت المطالبات السياسية بإنهاء وجود القوات الأجنبية.
لكن هناك جانبًا آخر أكثر عمقًا: الولايات المتحدة لم تكن فقط موجودة عسكريًا، بل كانت جزءًا من شبكة نفوذ اقتصادية وسياسية مرتبطة بالنظام المالي العراقي، خصوصًا ملف الدولار وعائدات النفط.
النفط العراقي… الثروة التي جعلت العراق ساحة اهتمام عالمي
من الصعب فهم تاريخ العراق الحديث دون فهم النفط.
العراق يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تقدر بأكثر من 145 مليار برميل، ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على صادرات الخام، حيث يمثل النفط الجزء الأكبر من إيرادات الدولة.
لكن المفارقة التاريخية أن بلدًا بهذه الثروة عاش أزمات اقتصادية متكررة بسبب سوء الإدارة، والفساد، والحروب.
بعد عام 2003 أصبحت عائدات النفط العراقية مرتبطة بترتيبات مالية دولية، من بينها إدارة عائدات النفط عبر صندوق تنمية العراق الذي أنشئ بعد الغزو، وكانت الأموال مودعة في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك ضمن ترتيبات حماية العائدات وإدارتها.
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة العراقية الأمريكية:
فحتى مع خروج القوات، تبقى هناك أدوات نفوذ اقتصادية.
فالسيادة لا تُقاس فقط بعدد الجنود الموجودين داخل القواعد، بل أيضًا بقدرة الدولة على التحكم الكامل في اقتصادها وقراراتها المالية.

الفراغ الأمريكي… هل يتحول إلى فرصة عراقية أم مساحة لنفوذ الآخرين؟
أكبر اختبار أمام العراق بعد الانسحاب ليس خروج القوات الأجنبية، بل قدرة الدولة على ملء الفراغ.
فالدولة التي تمتلك جيشًا وقوات أمنية كبيرة تحتاج أيضًا إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وسيطرة كاملة على السلاح.
وهنا يظهر أحد الملفات الأكثر تعقيدًا: الفصائل المسلحة.
فبعض القوى السياسية العراقية ترى أن وجود هذه الفصائل كان ضروريًا في مواجهة داعش، بينما يرى آخرون أن استمرار قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يمثل تحديًا لبناء دولة المؤسسات.
تشير تقارير دولية إلى أن بعض الفصائل القريبة من إيران اعتبرت الانسحاب الأمريكي تحولًا لصالحها، بينما تخشى أطراف أخرى من زيادة نفوذ الجماعات المسلحة.
لكن من زاوية وطنية عراقية، القضية الأساسية ليست استبدال نفوذ أجنبي بنفوذ آخر، بل بناء قرار عراقي مستقل لا يخضع لأي عاصمة خارج الحدود.
إيران والصين وأمريكا… العراق أمام معركة النفوذ الجديدة
بعد خروج القوات الأمريكية، لن يصبح العراق خارج حسابات القوى الكبرى.
إيران تمتلك حدودًا طويلة مع العراق وروابط سياسية واقتصادية ودينية عميقة، والصين أصبحت لاعبًا اقتصاديًا مهمًا عبر مشاريع الطاقة والبنية التحتية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية طويلة مع بغداد.
لكن الخطر الأكبر على العراق ليس وجود علاقات مع هذه الدول، فالعلاقات الدولية طبيعية، وإنما الخطر أن يتحول العراق إلى ساحة تنافس بينها.
الدولة القوية لا ترفض العالم، لكنها تمنع الآخرين من التحكم في قرارها.
الخسارة الحقيقية ليست خروج أمريكا… بل استمرار أزمة الدولة
ربما يكون أكبر درس من تاريخ العراق خلال السنوات الماضية أن المشكلة لم تكن فقط في وجود القوات الأجنبية أو انسحابها، بل في ضعف بناء الدولة نفسها.
فالعراق خسر بعد 2003 جزءًا كبيرًا من استقراره، وخسر بسبب داعش آلاف الأرواح، وخسر مليارات الدولارات بسبب الحروب والفساد.
في المقابل يمتلك اليوم فرصة تاريخية:
احتياطي نفطي هائل.
موقع جغرافي يربط الخليج بتركيا وسوريا.
شريحة شبابية واسعة.
إمكانيات اقتصادية ضخمة.
لكن تحويل هذه الإمكانيات إلى قوة حقيقية يحتاج قرارًا سياسيًا عراقيًا موحدًا.
نهاية الوجود الأمريكي ليست نهاية المعركة… بل بداية امتحان العراق
خروج القوات الأمريكية يمثل نهاية فصل طويل من تاريخ العراق، لكنه ليس نهاية الصراع على هذا البلد.
المعركة القادمة لن تكون حول القواعد العسكرية فقط، بل حول من يملك القرار الاقتصادي، ومن يسيطر على الثروة النفطية، ومن يستطيع بناء دولة لا تكون رهينة لأي محور.
العراق أمام لحظة تاريخية نادرة:
إما أن يحول نهاية الوجود العسكري الأجنبي إلى بداية عهد جديد من السيادة وبناء الدولة، أو يسمح بأن يتحول الفراغ إلى باب جديد لتدخلات وصراعات أخرى.
فالسؤال الذي سيحدد مستقبل العراق ليس:
من خرج من العراق؟
بل:
هل يستطيع العراق أخيرًا أن يحكم نفسه بنفسه؟
شاركنا برأيك