علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
كاتب وكتاب
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يقرأ: كتاب هيكل (وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي)

تتضح أهمية «وقائع تحقيق سياسي» أكثر عند قراءته إلى جانب «لمصر لا لعبد الناصر». في الكتاب الأول، دافع هيكل عن عبد الناصر وتاريخه وتجربته في مواجهة حملة سياسية وفكرية استهدفتها.

مشاركة:
حجم الخط:

هيكل في محكمة السادات

ليس هذا الكتاب مجرد محضر لاستجواب صحفي أمام جهة تحقيق، ولا مجرد دفاع كتبه محمد حسنين هيكل عن نفسه، إنه وثيقة تكشف لحظة انتقل فيها الخلاف بين الأستاذ هيكل والرئيس أنور السادات من الاختلاف في الرؤية والموقف إلى ساحة التحقيق الرسمي.

والسؤال الذي يطرحه الكتاب يتجاوز ما كتبه هيكل إلى قضية أوسع: إلى أي مدى يستطيع الصحفي أن يختلف مع السلطة الحاكمة دون أن يتحول الاختلاف السياسي والفكري إلى اتهام؟

في عام 1978، خضع هيكل لعشر جلسات تحقيق أمام المدعي الاشتراكي، استغرقت نحو ثلاثين ساعة، وامتدت خلال يونيو ويوليو وأغسطس.

ترأس التحقيق المستشار أنور حبيب، وشارك فيه المستشاران عبد الرحيم نافع وأحمد سمير سامي، بينما تولى الدفاع عن هيكل المستشار ممتاز نصار، ومعه حسن الشرقاوي، أمين عام نقابة الصحفيين آنذاك.

دارت الأسئلة حول مواقف هيكل السياسية، ورؤيته لسياسات السادات، وما نشره في الصحافة العربية والأجنبية، وما أدلى به من أحاديث في وسائل الإعلام.

وهنا يظهر الرجل الذي ظل لسنوات يطرح الأسئلة على الرؤساء وصنّاع القرار، ليجد نفسه هذه المرة في مقعد الإجابة.

لفهم الطريق إلى تحقيق 1978، لا بد من العودة إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973.

في 7 نوفمبر 1973، عقد السادات لقاءً منفردًا مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، تعهد فيه بتصفية سياسات عبد الناصر، وبالفعل بدأت بعد الحرب مرحلة جديدة من التحرك السياسي والمفاوضات المباشرة بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية.

ومع هذه المرحلة، بدأت تتسع الخلافات بين رؤية السادات السياسية ورؤية هيكل.

وفي 2 فبراير 1974، انتهت علاقة هيكل بالأهرام. فقد أطاح به السادات من رئاسة الأهرام، وقرر نقله إلى قصر عابدين مستشارًا لرئيس الجمهورية، لكن هيكل رفض، واختار الابتعاد عن المناصب الرسمية والتفرغ للكتابة.

ولم تعد كتابات هيكل تُنشر في مصر، بل أصبحت تُنشر خارجها فقط.

وفي عام 1975، أصدر هيكل كتابه «الطريق إلى رمضان»، الذي تناول حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر ومقدماتها ونتائجها، والعلاقة بين مصر والولايات المتحدة، والضغوط التي واجهت السادات في الطريق إلى الحرب وبعدها. ولم يلقَ الكتاب قبول السادات، وبدأ الإعلام الرسمي يتهم هيكل بتزوير التاريخ.

وفي عام 1976، نشر كتاب «لمصر لا لعبد الناصر»، وهو مجموعة مقالات دافع فيها هيكل عن جمال عبد الناصر وتجربته، في مواجهة حملة التشويه التي تعرضت لها في عهد السادات.

ثم توالت مقالاته وأحاديثه الصحفية والتليفزيونية خارج مصر حول سياسات السادات، والعلاقات المصرية الأمريكية، والصراع العربي الإسرائيلي، وانتفاضة الخبز في يناير 1977.

وفي 19 نوفمبر 1977، وصل السادات إلى القدس المحتلة، في خطوة أحدثت تحولًا كبيرًا في مسار الصراع العربي الإسرائيلي والسياسة المصرية.

تابع هيكل الحدث وكتب وتحدث عنه، ثم نشر سلسلة من المقالات تناولت المبادرة ونتائجها ودلالاتها السياسية، وبدأ نشر هذه المقالات في الصحف العربية والأجنبية في مارس 1978، أي بعد أربعة أشهر من زيارة القدس.

غلاف الكتاب الذي كتب فيه هيكل وقائع التحقيق أمام المدعي الاشتراكي
غلاف الكتاب الذي كتب فيه هيكل وقائع التحقيق أمام المدعي الاشتراكي

وفي مايو 1978، نشر هيكل هذه المقالات في كتاب «حديث المبادرة».

وهنا دخل الخلاف مرحلته الأخيرة قبل التحقيق.

في 28 مايو 1978، تم الإعلان عن إحالة هيكل وأربعة صحفيين آخرين إلى المدعي الاشتراكي، ومنعهم من السفر، على خلفية ما نُسب إليهم من كتابات تمس سمعة مصر وتهدد الجبهة الداخلية.

وفي 14 يونيو 1978، بدأ التحقيق مع هيكل رسميًا أمام المستشار أنور حبيب.

ومن أكثر وقائع التحقيق دلالةً استجواب هيكل حول مقاله «تحية للرجال»، المنشور في الأهرام يوم 12 مارس 1971.

وقد تناول المدعي الاشتراكي أفكار المقال، واتهم هيكل بالانهزامية والتشكيك في إمكانية الحرب ضد إسرائيل.

لكن المدهش أن المقال نفسه كان قد أثار، عند نشره عام 1971، غضب رجال عبد الناصر الذين أطلق عليهم السادات اسم «مراكز القوى»؛ لأنهم رأوا في موقف هيكل آنذاك دعوة إلى تأجيل قرار الحرب، وتحذيرًا من الدخول فيها، واتهموا هيكل بدعم السادات، الذي كان لا يريد أن يحارب ويبحث عن حل سلمي.

ثم دار الزمن دورته بصورة شديدة الدلالة: المقال الذي عوقب هيكل معنويًا عليه عام 1971، لأنه بدا معرقلًا أو مؤخرًا لقرار الحرب، عاد عام 1978 ليصبح دليل اتهام ضده، باعتباره تعبيرًا عن الانهزامية واليأس والدعوة إلى التسليم لأمريكا وإسرائيل.

وهنا تكمن سخرية التاريخ: النص واحد، لكن الاتهام تغير بتغير اللحظة السياسية وموقع السلطة من صاحبه.

وللدفاع عن موقفه، استعرض هيكل أمام المدعي الاشتراكي عشرات المقالات التي كتبها عن الحرب قبل حرب 5 يونيو 1967 وبعدها، مؤكدًا أن موقفه لم يكن ضد الحرب، وإنما كان يرى ضرورة خوضها في ظروف واستراتيجية تحقق أهدافها.

في مقدمة الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1979، يفسر هيكل سبب نشر وقائع التحقيق. فهو يرى أن ما أتيح للرأي العام عن القضية لم يكن كافيًا، وأن الصمت الذي أحاط بها لم يكن مجرد نتيجة للسرية، وإنما جزءًا من مناخ سياسي وصفه بأنه «اتفاق صمت».

ولهذا اختار نشر الأسئلة والإجابات كما جرت في التحقيق؛ فالمقال يمكن الرد عليه بمقال، والخطاب بخطاب، أما محضر التحقيق فيحفظ المواجهة بين السؤال والجواب في وثيقة واحدة.

عنوان الكتاب نفسه يبدو دالًا: «تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي».

فالتحقيق إجراء قانوني، بينما الرأي السياسي مجال للاختلاف، وعندما تصبح مواقف الكاتب السياسية وكتاباته موضوعًا للتحقيق، تختلط الحدود بين مساءلة الفعل ومساءلة الرأي.

وهذا ما يمنح الكتاب قيمته الأوسع، فهو لا يسجل قضية هيكل وحدها، وإنما يكشف علاقة الصحافة بالسلطة في مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ المصري.

تكشف وقائع التحقيق عن طريقة هيكل في الدفاع عن مواقفه.

فهو لا يكتفي بالإجابة المباشرة، بل يعيد وضع السؤال داخل سياقه التاريخي، ويربط الأحداث المصرية بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية والتحولات الإقليمية.

ومن هذه الزاوية، يصبح الكتاب أكثر من محضر تحقيق؛ فهو قراءة من داخل الأزمة للسنوات التي انتقلت فيها مصر من مرحلة عبد الناصر إلى مرحلة السادات.

تتضح أهمية «وقائع تحقيق سياسي» أكثر عند قراءته إلى جانب «لمصر لا لعبد الناصر».

في الكتاب الأول، دافع هيكل عن عبد الناصر وتاريخه وتجربته في مواجهة حملة سياسية وفكرية استهدفتها. وبعد سنوات قليلة، أصبح هو نفسه مطالبًا بالدفاع عن مواقفه وكتاباته أمام السلطة، ثم تطرق التحقيق إلى موقفه من عبد الناصر، بل خُصصت أكثر من جلسة لمناقشة هيكل فيما كتبه في «لمصر لا لعبد الناصر».

وبذلك يكمل الكتابان بعضهما: الأول يدافع عن عبد الناصر وتجربته، والثاني يواصل الدفاع ويفنّد الاتهامات التي شنها السادات عبر وسائل إعلام نظامه لاغتيال عبد الناصر معنويًا وطمس أي إنجاز له.

قد لا يكون «وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي» من أشهر كتب هيكل، لكن قيمته تكمن في أنه ينقل القارئ إلى لحظة نادرة أصبح فيها الصحفي الذي اعتاد مساءلة السلطة هو الطرف الذي يخضع للأسئلة.

إنه كتاب عن الصحافة والسلطة، وعن حدود الرأي السياسي

وعن عصر السادات الذي أتى وكأنه انقلاب مكتمل الأركان على عبد الناصر وعصره.

والأهم أنه يقدم وثيقة تكشف كيف يمكن للنص السياسي نفسه أن تتغير دلالته في الصراع، مع تغير الظروف ومواقع السلطة.

ولهذا، فإن من قرأ «لمصر لا لعبد الناصر» ولم يقرأ «وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي»، فقد قرأ نصف الحكاية فقط.

شارك المقال:

شاركنا برأيك