أحمد علام يكتب: نزعُ الشعبية عن كرة القدم المصرية
لم يكن المشجع في ذلك الوقت مجرد متفرج، بل كان جزءًا أساسيًا من المباراة. كان هو الذي يصنع روح المدرج، ويمنح الفريق هويته، ويحول كرة القدم من نشاط رياضي إلى حالة اجتماعية وشعبية عامة.

صورة لاستقبال المنتخب في صحراء مصر
من المجال العام إلى المجال الأمني–التجاري
“إحنا شعب وإنتوا شعب” أغنية قيلت وغُنّيت عام 2013، وكانت تعبر في ذلك الوقت عن انقسام سياسي حاد، لكنها أصبحت مع مرور السنوات تعبر أيضًا عن انقسام اجتماعي واضح: شعب مصر، وشعب “إيجيبت”
شعب يعيش حياته اليومية في المدن والقرى والأحياء الشعبية، وشعب آخر يعيش في المدن الجديدة والمنتجعات والمجتمعات المغلقة، ويتعامل مع وطن مختلف في شكله ولغته وطريقة استهلاكه وترفيهه.
وقد ظهر هذا المعنى بوضوح عندما شاهدت حافلة المنتخب المصري المكشوفة، وهي تسير من مطار العلمين إلى أبراج العلمين، ومكتوبًا عليها بالإنجليزية “EGYPT” من دون أن تُكتب عليها كلمة “مصر”
كانت الحافلة تسير في طريق صحراوي واسع، متجهة إلى الأبراج والمنتجعات التي أصبحت تمثل عالمًا آخر، بعيدًا عن المدن والأحياء التي صنعت تاريخ كرة القدم المصرية.
عندها أدركت أن المشهد لم يكن مجرد استقبال لمنتخب كرة القدم، وإنما كان تعبيرًا مكثفًا عن التحول الذي أصاب هذه الرياضة.
فالمنتخب لم يتجه إلى الجماهير التي كانت تنتظره يومًا في الشوارع والميادين، وإنما اتجه إلى مجتمع جديد، وإلى فضاء عمراني جديد، وإلى جمهور جديد. لقد ذهب المنتخب إلى شعب “إيجيبت” وترك شعب مصر يتابع المشهد من بعيد.
كرة القدم في مصر لم تكن يومًا مجرد لعبة. كانت جزءًا من حياة المصريين اليومية، ومصدرًا من مصادر سعادتهم القليلة.
كان المواطن البسيط يستطيع أن يجلس في منزله ويشاهد المباراة، أو يذهب إلى المقهى متواعدًا مع أصدقائه، ويدفع قروشًا قليلة في كوب شاي أو مشروب بسيط، ثم يتابع المباراة ويشجع فريقه.
ومن كان يمتلك قدرًا قليلًا من المال كان يستطيع الذهاب إلى الاستاد.
يشتري علبة كشري أو بعض الساندويتشات، ويحصل على تذكرة لا تتجاوز بضعة جنيهات، ثم يجلس في المدرجات ويغني ويهتف ويشجع كما يحلو له.
لم يكن المشجع في ذلك الوقت مجرد متفرج، بل كان جزءًا أساسيًا من المباراة.
كان هو الذي يصنع روح المدرج، ويمنح الفريق هويته، ويحول كرة القدم من نشاط رياضي إلى حالة اجتماعية وشعبية عامة.
كانت المدرجات مجالًا عامًا حقيقيًا يلتقي فيه العامل والطالب والموظف والحرفي، ويجلس فيه الغني إلى جوار الفقير، ولو لمدة تسعين دقيقة.
د. محمد الغمري يكتب: ابن سينا العقل المفاوض ليس سبيلا للتحرر (2-2)
عمرو صابح يكتب: الصورة التي فضحت الفيفا
كان الجميع يذوبون داخل هوية واحدة، هي هوية النادي أو المنتخب.
لم يكن مطلوبًا من المشجع أن يثبت سوى حبه لفريقه، ولم يكن دخوله إلى الاستاد مرتبطًا بقدرته على دفع مبالغ كبيرة أو بالخضوع لنظام أمني معقد.
لكن هذا المشهد بدأ في الاختفاء، وخصوصًا بعد عام 2013. أُغلقت الاستادات، وغابت الجماهير عن المدرجات سنوات طويلة، ثم عندما فُتحت الأبواب من جديد، لم تعد كرة القدم كما كانت.
فُتحت الملاعب بأسعار مختلفة تمامًا، وبنظام أمني مختلف تمامًا.
لم يعد الدخول حقًا متاحًا لكل مشجع يستطيع شراء تذكرة، وإنما أصبح مرتبطًا بالحصول على بطاقة تعريف، وتسجيل البيانات الشخصية، والمراجعة من الجهات المعنية، والالتزام بأعداد محددة وأماكن محددة وطريقة تشجيع محددة.
هكذا تحولت المدرجات من مجال شعبي مفتوح إلى مجال أمني منضبط
وتحول المشجع من مواطن يذهب إلى الاستاد ليعبر عن نفسه، إلى شخص مسجل ومراقب ومحدد الحركة. ولم يعد الجمهور يصنع المشهد، بل أصبح جزءًا من مشهد جرى تنظيمه مسبقًا.
ومع ارتفاع أسعار التذاكر وتكاليف الانتقال والدخول، أصبح الوصول إلى الملاعب أكثر صعوبة بالنسبة إلى المواطن العادي.
فأصبح من يستطيع حضور المباريات ينتمي في الغالب إلى فئات قادرة على تحمل هذه التكاليف والإجراءات، بينما ابتعد جمهور الأحياء الشعبية، الذي صنع تاريخ الكرة المصرية وأنديتها، عن المدرجات.
وبذلك أصبح من يدخل المباريات أقرب إلى شعب «إيجيبت» منه إلى شعب مصر.
ولم يقتصر الأمر على حضور المباريات، بل امتد إلى مشاهدتها أيضًا. أصبحت أغلب البطولات والمباريات المهمة مرتبطة بالقنوات المشفرة والمنصات المدفوعة والاشتراكات المرتفعة.
وأصبح على المشجع أن يدفع أكثر حتى يشاهد فريقه أو منتخبه، بعد أن كانت المباراة تصل إليه من خلال شاشة التلفزيون المفتوحة أو المقهى الشعبي البسيط.
لقد تحولت كرة القدم تدريجيًا من وسيلة ترفيه شعبية إلى سلعة. ومن لا يستطيع دفع ثمن هذه السلعة، يصبح خارج المشهد. لم تعد المسألة هي أن تحب الكرة أو تنتمي إلى فريق، وإنما أن تكون قادرًا على شراء حق المشاهدة والحضور.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي لنزع الشعبية عن كرة القدم المصرية.
فالمقصود ليس اختفاء الجمهور تمامًا، وإنما تغيير طبيعته. الجمهور القديم كان يشارك في صناعة كرة القدم، أما الجمهور الجديد فمطلوب منه أن يستهلكها.
الجمهور القديم كان يهتف بطريقته، أما الجمهور الجديد فتُرسم له حدود حضوره وتشجيعه.
الجمهور القديم كان يدخل الاستاد بجنيهات قليلة، أما الجمهور الجديد فعليه أن يدفع ثمن التذكرة والانتقال والطعام والاشتراكات والتسجيل.
حتى لاعبو كرة القدم أنفسهم أصبحوا يعيشون داخل عالم مختلف تمامًا عن عالم غالبية مشجعيهم.
يحصل اللاعبون على ملايين الجنيهات، ويسكنون في المدن والمجتمعات التي يسكن فيها شعب “إيجيبت” ويتحركون داخل منظومة اجتماعية واقتصادية بعيدة تمامًا عن حياة المواطن الذي كان يدخر من مصروفه حتى يشتري تذكرة مباراة.
لم يعد اللاعب يشعر بالضرورة بما يعانيه المشجع العادي.
وقد لا يعرف شيئًا عن تكلفة حضوره للمباراة، أو عن عجزه عن الاشتراك في القنوات، أو عن الصعوبات التي يواجهها حتى يصل إلى الاستاد.
أصبحت هناك مسافة واسعة بين اللاعب والمشجع؛ ليس فقط من حيث الدخل، وإنما من حيث الحياة اليومية والبيئة الاجتماعية والإحساس بالواقع.
ولهذا يختلف المنتخب الحالي عن الفرق السابقة. فالفرق القديمة، مهما كانت أجور لاعبيها، كانت تخرج من البيئة الاجتماعية نفسها التي خرج منها جمهورها، وكانت قريبة من الشوارع والأحياء والأندية الشعبية.
أما اليوم، فقد أصبح الاحتراف الرياضي جزءًا من منظومة مالية وإعلامية كبيرة، تنقل اللاعب بسرعة من بيئته الأصلية إلى عالم آخر، وتفصله تدريجيًا عن الجماهير التي صنعته.
ليس الاعتراض على أن يحصل اللاعب على المال، أو أن يعيش حياة مريحة، فهذا حقه ما دام قد حقق نجاحًا رياضيًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما تنفصل كرة القدم بالكامل عن المجتمع الذي منحها معناها
وعندما يصبح المنتخب جزءًا من عالم مغلق لا يرى أغلبية المصريين إلا من خلال شاشات مدفوعة أو احتفالات مصممة بعناية.
لذلك لم يكن تحرك حافلة المنتخب من مطار العلمين إلى أبراج العلمين مجرد رحلة قصيرة داخل مدينة ساحلية. كان المشهد رمزًا لمسار كامل قطعته كرة القدم المصرية.
من الأحياء الشعبية إلى المدن الجديدة، ومن المدرج المفتوح إلى البوابة الأمنية، ومن المقهى الشعبي إلى المنصة المشفرة، ومن المشجع المشارك إلى المستهلك القادر على الدفع.
وقد يكون مكتوبًا على الحافلة “EGYPT” ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
أي مصر تمثلها هذه الحافلة؟ مصر التي كانت تملأ المدرجات وتهتف في الشوارع والمقاهي، أم «إيجيبت» التي تستقبل المنتخب بين الأبراج والمنتجعات؟
لقد أصبحت كرة القدم المصرية تعكس الانقسام الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع كله. هناك من يملك حق الدخول والمشاهدة والترفيه، وهناك من يكتفي بالنظر من الخارج.
هناك من يعيش في المدن الجديدة، وهناك من لم يعد قادرًا حتى على الذهاب إلى استاد مدينته. هناك من تُقام من أجله الاحتفالات، وهناك من يُطلب منه فقط أن يصفق أمام الشاشة.
إن نزع الشعبية عن كرة القدم ليس أمرًا بسيطًا، لأن كرة القدم كانت من آخر المساحات التي يشعر فيها المصريون بالمساواة والانتماء الجماعي.
وعندما تُنتزع هذه المساحة من الناس، فهم لا يفقدون مجرد لعبة، بل يفقدون جزءًا من مجالهم العام، ومن ذاكرتهم، ومن قدرتهم على الفرح المشترك.
ولهذا سار الأوتوبيس من مطار العلمين إلى أبراج العلمين ليكون بين شعبه الجديد، بينما ظل شعب مصر بعيدًا عن المشهد.
ولا عزاء للشعب المصري.
ووداعًا لكرة القدم المصرية التي عرفناها.






