هل من حق سيدنا محمد أن يشرع؟
الرسول هنا هو حلقة الوصل بين دائرة التشريع السماوي ودائرة التشريع الأرضي لأنه بشرا رسولا فهو يبلغ التشريع السماوي بصفته رسول، ويقود التشريع الأرضي بصفته بشر.

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نحدد المقصود بالتشريع
التشريع هنا يقصد به منظومة الأوامر والنواهي والعبادات والشرائع والمحرمات والعقوبات التي يتحدد على ضوئها الصحة والخطأ في أفعال وسلوكيات جماعة ما، وينقسم من حيث المصدر إلى:
تشريع السماوي ( إلهي)
تشريع أرضي ( بشري )
وينقسم من حيث الموضوع إلى قواعد عامة وتفصيلات خاصة
الآية المحددة لمصادر التشريع في الإسلام هي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( النساء 59 )
حدد ربنا سبحانه وتعالى مصدرين للتشريع:
1- الله كمصدر وحيد للتشريع السماوي ( أطيعوا الله )
2- الرسول وأولى الأمر كمصدر للتشريع الأرضي ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )
ومن الملاحظ هنا أن سيدنا محمد ذُكر في هذه الآية بصفته رسولا وليس بصفته نبي، ومن الملاحظ أيضا أنه لم يأمر ربنا في القرآن أبدا بطاعة النبي، لأن النبي لا يأتي بتشريعات يجب طاعتها لكن يأتي بنبوءات يجب تصديقها، فالطاعة شئ والتصديق شئ آخر، ونحن هنا نتحدث عن التشريعات والطاعة.
الرسول هنا هو حلقة الوصل بين دائرة التشريع السماوي ودائرة التشريع الأرضي لأنه بشرا رسولا فهو يبلغ التشريع السماوي بصفته رسول، ويقود التشريع الأرضي بصفته بشر.
الفارق الجوهري بين التشريع السماوي والتشريع الأرضي:
لأننا نتحدث عن الرسالة الخاتمة فالتشريع السماوي هو تشريع مطلق أبدي ملزم غير قابل للتبديل أو التغيير
والتشريع الأرضي هو تشريع نسبي قابل للاجتهاد والتغيير، وهو يشكل تجربة التطور الإنساني على الأرض بدوام تغيره وتطوره
أما من حيث التشريعات ذاتها فينقسم إلى:
1- الحلال والحرام:
– وهي حق خالص لله، فكل شئ حلال إلا ما حرمه الله بنص قطعي الدلالة ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب )، ولا يجوز التدخل البشري في الحلال والحرام ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) النحل 116. ولله وحده حق الحساب والعقاب على ارتكاب المحرمات.
– وللتشريع الأرضي حق تنظيم الحياة اليومية لتحقيق المنفعة العامة في إطار الحلال، وهو تشريع لكل الناس المؤمن منهم والكافر المصدق والمكذب كلهم على حد سواء طالما أنهم داخل حدود المجتمع المعني بالتشريع وتحت مسئولية جهة التشريع
2- الأوامر والنواهي:
إذا كانت في العبادات والشعائر فهي حقا لله فرضا على المؤمنين، وحقا مكتسبا للرسول تفصيلا، وخاصة في الصلاة والزكاة الذان خصهما الله سبحانه وتعالى بالآية الوحيدة في كل الكتاب التي أسندت فيها الطاعة للرسول بدون اقتران مع طاعة الله ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) النور 56
أما إن كانت في الأخلاق العامة وإدارة شئون المجتمع فهي من المتروكات للتشريع الأرضي لكونها من المتغيرات بتغير الزمن وله أن يمنع وأن يعاقب
المعروف والمنكر
كله متروك للتشريع الأرضي و تطور المجتمعات والمفاهيم الأخلاقية والقانونية ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) الأعراف 199
مما سبق يتضح أن الرسول مبلغ للتشريع السماوي وقائد للتشريع الأرضي، مطاع فيما بلغه عن السماء، أسوة فيما اجتهد فيه بسلطته الدنيوية
وبوفاة الرسول أصبح التشريع الأرضي كاملا لأولي الأمر منكم ( الحاكم وسلطات التشريع )
وفي الدولة الحديثة الحاكم لا يشرع، وأصبح التشريع كله للمجالس التشريعية المنتخبة بناء على سلطة الشعب
الخلاصة: سيدنا محمد ليس له سلطة تشريعية مستقلة عن الله فيما هو مطلق أبدي ولكن له سلطة مستقلة نسبية في تشريع وتنظيم الحياة الاجتماعية وإدارة الدولة بصفته البشرية كولي للأمر تخضع قوانينه وقراراته للتغيير حسب مقتضيات الحاج
رابط المقال المختصر:






