آراء و تحليلات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

وهم الامن الصامت

اهل الجنوب، بخبرتهم التاريخية، يدركون هذه الحقيقة اكثر من غيرهم.،لم يكن غياب المقاومة في اي مرحلة ضمانة للاستقرار

مشاركة:
حجم الخط:

ليس النقاش الدائر حول ما اصاب جنوب لبنان نقاشا حول قرار عسكري محدد بقدر ما هو انعكاس لازمة فكرية اعمق، ازمة تتعلق بكيفية فهم مفهوم الامن نفسه في سياق صراع مع كيان استعماري استيطاني. حين يقال ان ما جرى هو نتيجة مباشرة لفتح جبهة الاسناد في تشرين الاول 2023، لا يجري فقط تبسيط حدث معقد، بل يجري تبني تصور وهمي للامن، تصور يفترض ان الامتناع عن الفعل يولد حماية، وان الصمت يمكن ان يتحول الى سياسة قابلة للحياة.

هذا التصور لا يصمد في اي تجربة تاريخية مع الكيانات الاستعمارية. الامن في هذا السياق لا ينتج عن الحياد، بل عن موقع القوة في ميزان الردع. الصمت لا يفسر لدى المستعمر بوصفه حكمة، بل بوصفه فراغا قابلا للاستثمار. وهذه ليست مقولة ايديولوجية، بل خلاصة خبرة طويلة في فلسطين ولبنان والجزائر وجنوب افريقيا، حيث كان غياب المقاومة دائما مقدمة لاعادة هندسة السيطرة، لا لتهدئتها.

الخطاب الذي يربط ما جرى بقرار واحد يتجاهل طبيعة اسرائيل بوصفها كيانا لا يفصل بين الامن والتوسع. في الادبيات الاسرائيلية نفسها، لا ينظر الى الحدود كخطوط نهائية، بل كمجالات مرنة تتغير وفقا لمعادلات القوة. مفهوم الامن القومي الاسرائيلي قائم على مبدأ نقل التهديد الى خارج العمق الاسرائيلي، حتى لو كان ذلك عبر تدمير مجتمعات كاملة في محيطه. جنوب لبنان، بحكم الجغرافيا والتاريخ، كان دائما جزءا من هذا التصور.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا فتح الجنوب جبهة، بل لماذا يفترض البعض ان الجنوب كان خارج الحسابات. بعد السابع من تشرين الاول، لم تواجه اسرائيل تحديا عسكريا فحسب، بل واجهت انهيارا معنويا في صورة الردع. في مثل هذه اللحظات، لا تتجه الدول ذات العقائد العسكرية العدوانية الى الانكفاء، بل الى التوسيع، بحثا عن ساحات تعيد فيها تثبيت التفوق. هذا النمط موثق في تاريخ اسرائيل، من اجتياح 1982 الذي جاء بعد ازمة داخلية عميقة، الى حرب 2006 التي استهدفت اعادة بناء الردع بعد انسحاب 2000.

الحديث عن امكان الانتظار يتجاهل ايضا ان الانتظار نفسه ليس وضعا محايدا. الانتظار في سياق كهذا يعني ترك المبادرة كاملة بيد العدو، والسماح له باختيار التوقيت والشكل والسقف. هذا لا يعني ان المبادرة دائما صائبة، ولا ان كلفتها يمكن التقليل من شأنها، لكنه يعني ان تحويل الانتظار الى فضيلة مطلقة هو تبسيط مخل. في صراعات الردع، الزمن ليس محايدا، بل عنصر من عناصر القوة.

الاكثر خطورة في الخطاب الذي يحمل المقاومة المسؤولية الكاملة انه يعيد تعريف الضحية والجلاد. بدلا من مساءلة من اختار القصف والتدمير والتهجير، يجري التركيز على من لم يمنع ذلك عبر الصمت. هذا المنطق، حين يعمم، لا يبرئ اسرائيل فقط، بل يفرغ اي مفهوم للمقاومة من معناه، ويحول المجتمعات الواقعة تحت التهديد الدائم الى مجتمعات مطالبة بتقديم فروض الطاعة مقابل وعد غير مضمون بالسلامة.

اهل الجنوب، بخبرتهم التاريخية، يدركون هذه الحقيقة اكثر من غيرهم.،لم يكن غياب المقاومة في اي مرحلة ضمانة للاستقرار، الفترات التي ساد فيها هدوء نسبي كانت تلك التي فرض فيها توازن ردع، لا تلك التي ساد فيها الفراغ. الامن الذي لا يستند الى قوة، في هذه الجغرافيا، ليس امنا، بل هدنة مؤقتة بقرار من طرف واحد، قابلة للانهيار في اللحظة التي تتغير فيها حساباته.

هذا لا يعفي اي قرار سياسي او عسكري من النقد. بالعكس، النقد ضرورة اخلاقية وسياسية. لكن النقد الجدي يبدأ من فهم بنية الصراع، لا من اختزالها. يبدأ من الاعتراف بان اسرائيل كيان يبادر ولا ينتظر، ويستثمر اللحظات الكبرى لاعادة تشكيل محيطه، لا من افتراض انه كان سيكتفي بغزة ويغض الطرف عن الشمال لو لم يتم استفزازه.

في جوهر الامر، نحن امام صراع بين تصورين للامن. تصور يرى الامن بوصفه ثمرة الانضباط والصمت وتجنب الازعاج، وتصور اخر يرى الامن بوصفه نتاج توازن قوة يفرض على العدو حساب الكلفة. التجربة التاريخية لجنوب لبنان، ولغيره من ساحات الصراع مع الاستعمار، تشير بوضوح الى فشل التصور الاول، مهما بدا عقلانيا في ظاهره.

اختزال ما جرى في قرار واحد يمنح شعورا زائفا بالفهم، لكنه يحجب الحقيقة الاكثر قسوة. الجنوب لم يكن ضحية لحظة، بل ساحة في صراع طويل لم يتوقف يوما. من يريد قراءة ما حدث بجدية، عليه ان يعيد التفكير في مفهوم الامن ذاته، لا ان يبحث عن شماعة زمنية يعلق عليها كل شيء.

شارك المقال: