1977 العام المر (7)
حدث صدام غير مبرر ولا مرغوب بين المحكمة العسكرية التي حاكمت تنظيم "التكفير والهجرة " (2) وبين" الأزهر"

البدايات التي لا تهم أحد
كانت الصحف تنشر أخبار هذا الحدث المؤلم إغتيال الشيخ الذهبي كل يوم وحظي الخبر بتغطية واسعة.

شكري مصطفي كاد يتحول لبطل شعبي بفعل الصحافة
صارت صورة ” شكري مصطفى” تتصدر صفحات الصحف بلحيته الطويلة وعينيه الحادتين وملامحه المتحدية.
الغريب أن الصحافة كانت تنشر تفاصيل أقوال أعضاء التنظيم وأفكارهم المتطرفة دون أن تنشر او تخصص مساحة وافية وموازية وذات تأثير للرد على تلك الأفكار المنحرفة من أهل العلم والتخصص.

كادت الصحافة أن تصنع منه بطلا أسطوريا خارقا.. وخصوصا صحيفة ” الأخبار” بطبيعتها ومدرستها الإيثارية.
تنظيمات تسبق مؤسسات الأمن
والأكثر غرابة ان تلك التنظيمات كانت تسبق الشرطة وسلطات البحث والتحري بخطوات بعيدة، ظلت تتمدد وتتشطي إلى تنظيمات أخرى وخلايا سرية مطمورة غير ملاحقة.
كان من يفلت من القبض عليه حال سقوط احد التنظيمات سرعان ما ينشئ تنظيما آخر او ينضم إلى، آخر موجودا بالفعل، في دائرة منهكة محكمة الترابط والكتمان.
أما الطامة الكبرى ان النظام نفسه وبعض مسئوليه، والطبيعة القبلية كانت تحمي آخرين وتساعد في توغلهم في أحشاء المجتمع ومفاصله وخصوصا في ” الصعيد”
الهدف المعلن والاتفاق الخفي
الهدف المعلن والمشترك هو محاربة اليسار الملاحق والمرصود بشدة والمقبوض على اغلب قياداته في ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧.
إلى أن فلت الزمام وخرجت الأمور عن السيطرة وكان ما كان في حادث ” المنصة” في السادس من أكتوبر عام ١٩٨١.
السلطة غافلة ولا تنتبه
منذ حادث ” الفنية العسكرية” إبريل 1974، ومرورا بأحداث الفتنة الطائفية، وصولا لحادث إغتيال الشيخ ” الذهبي” كان ينبغي على السلطات المسئولة أن تتوقف طويلا أمام تلك الأحداث.
ليس بتطوير وسائل المواجهة الامنية فقط ولكن الأهم بكل تأكيد المواجهة الفكرية، ودراسة الظروف البيئية _ المعيشية والإقتصادية والمجتمعية ومستوى التعليم إلخ- التي تفرز عناصر مثل تلك التنظيمات.
وتحليل العوامل التي أدت إلى تغلغل الأفكار البدوية القادمة من صحراء النفط لتنحو وتنحر فكر أرض النيل والمتوسط من الإعتدال للتطرف.
السادات والمخابرات السعودية والشيوعية
كان لا يمكن للسلطة بالطبع أن تعترف بتشجيع تلك الجماعات، ولا بوسعها أن تعترف بالتمويل ” السعودي” و الخليجي لمكافحة ” الشيوعية”
هل كان يمكن للرئيس” السادات” ان يعترف ببنود إتفاقه على هذا الأمر مع “كمال أدهم” مدير الإستخبارات السعودية؟ وهل كان يقدر مداه؟
الإجابة التي أفرزها الواقع هي لا بكل تأكيد، وبدا أنه تحت لافتة محاربة الشيوعية مستعد لدفع أي ثمن للتقرب من” الولايات المتحدة الأمريكية”

صدام بين المحكمة والأزهر
حدث صدام غير مبرر ولا مرغوب بين المحكمة العسكرية التي حاكمت تنظيم “التكفير والهجرة ” (2) وبين” الأزهر”
وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر “
المحكمة تتهم الأزهر
“لم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه” وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها.
لمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها: و أسفا على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة”
غضب الأزهر وشيخه واتهام المحكمة بالتعجل
كانت كلمات المحكمة تمثل هجوما صريحا على الأزهر وعلماؤه الأمر الذي اغضب الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود إمام الجامع الأزهر،فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار.

في هذا البيان اتهم عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح”
” واتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام “

مناقشة الأفكار وتتبع جذورها
كان الإمام يرى أن مناقشة مثل تلك الأفكار وتبين جذور ومنابع نمو مثل هذه التنظيمات كفيل بدحض فكرها وتجفيف منابعها وإجتثاث جذورها.
كان محقا إلى درجة كبيرة فقد ساعدت التغطية المكثفة للصحف على إنتشار أفكار التنظيم.
في ذات الوقت الذي لم يفسح فيه المجال الكاف للمختصين بالرد على تلك الدعاوى المتطرفة.
كانت المحكمة العسكرية بطبيعتها تبتغي العدالة الناجزة السريعة وخصوصا في قضية إستحوذت على إهتمام طاغ من أفراد المجتمع أصبحت قضية رأي عام.
تحققت تلك العدالة بسرعة بالفعل لكن بقى الفكر ينمو وينتشر ويتجذر، وظل منهج المحاكمات الناجزة والمعالجة الأمنية سائدا.

أفكار التطرف والتوغل المجتمعي
لذلك بالتحديد والجزم ظل الفكر ذاته بل وتولدت عنه أفكارا أشد إيغالا وعنفا وتطرفا، وبدت تلك الجماعات مثل حيوان ” الهيدرا” في الأساطير” الإغريقية”
كلما قطعت له ذراعا نما له آخر أشد قوة وبأسا، وظل اللوم ملقي على عاتق الأزهر.
دون مواجهة فكرية ومعالجة الظروف الإجتماعية، وكان من الطبيعي أن يستمر الدوران في حلقة مفرغة من العنف والإرهاب والتطرف.





