وجه العدوان المزدوج
من منظور استراتيجي، القرارات العسكرية والسياسية تتأثر بالمصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية وضغط القوى الكبرى، وليس فقط بمعايير الأمن القومي. أي تدخل عسكري أو قرار استراتيجي يُفسَّر بحسب مصالح كل طرف

تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط مستويات غير مسبوقة من التعقيد الاستراتيجي، حيث تتقاطع الصراعات العسكرية المباشرة مع تحركات دبلوماسية دقيقة، ويصبح الخطاب الإعلامي أداة مركزية للتحكم في الرأي العام. التناقض بين الممارسات على الأرض والسياسات الرسمية واضح، ويكشف ازدواجية المعايير في تفسير العدوان والسيادة.
على المستوى الدبلوماسي، تحاول مصر وعُمان وتركيا إيجاد مخارج لإنهاء الحرب على إيران عبر تفاوض ووساطة، سعياً للحد من التصعيد وتخفيف تداعيات العمليات العسكرية، في ظل إدراك أن استمرار الصراع سيؤدي إلى مزيد من الفوضى الاقتصادية والسياسية والأمنية في المنطقة.
في المقابل، تتجه بعض القوى الإقليمية إلى التصعيد المباشر، ودعم العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بشكل عملي. القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج تقدم تزويداً بالوقود لمقاتلات إسرائيلية، وتشغيل منظومات الرادار، وتوفير تغطية لوجستية لضربات جوية، ما يمثل مشاركة فعلية في العدوان، دون حاجة إلى إعلان رسمي.
الازدواجية تظهر جلياً عند تفسير أي مطالبة بسحب هذه القواعد الإيرانية، وهي مطالبة ضمن إطار السيادة الوطنية، على أنها “انتهاك للسيادة”، بينما المشاركة المباشرة في الضربات تُغطى إعلامياً على أنها ممارسة حق مشروع أو دفاع عن المنطقة. هذا يعكس معيارًا مزدوجًا في تفسير السيادة والدفاع، حيث يُصوَّر المعتدي كطرف مشروع، والمطالِب بالحقوق كعدو.
التحليل الإعلامي يكشف تضليلاً ممنهجاً: تصوير القواعد العسكرية الأمريكية والإسرائيلية كأدوات دفاع مشروع، بينما يتم تجاهل دورها في العدوان المباشر. الإعلام لم يعد ناقل أخبار، بل أداة لتشكيل إدراك الجمهور وإخفاء الحقائق بما يخدم مصالح التحالفات العسكرية والسياسية.
من منظور استراتيجي، القرارات العسكرية والسياسية تتأثر بالمصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية وضغط القوى الكبرى، وليس فقط بمعايير الأمن القومي. أي تدخل عسكري أو قرار استراتيجي يُفسَّر بحسب مصالح كل طرف، مما يخلق ازدواجية في المعايير: العدوان المباشر يُعد حق مشروع، وممارسة السيادة الوطنية تُعد تهديدًا أو انتهاكًا.
النماذج المستخلصة من هذا الواقع تشمل:
1. المستوى العسكري المباشر: القواعد العسكرية، الدعم اللوجستي، منظومات الرادار، ومشاركة القوات في العمليات الإسرائيلية تظهر مشاركة فعلية في الصراع، وتضع هذه الدول في دائرة الشركاء في العدوان.
2. المستوى الإعلامي: تضليل ممنهج عبر السرديات الإعلامية، حيث يُحوَّل المعتدي إلى طرف مشروع والمطالب بالسيادة إلى طرف عدواني، مما يؤثر على فهم الرأي العام المحلي والدولي.
3. المستوى الاستراتيجي والسياسي: تأثير التحالفات، المصالح الاقتصادية، وضغط القوى الكبرى على القرارات العسكرية والسياسية، وهو ما يوضح أن الخطاب الإعلامي ليس انعكاساً للواقع بقدر ما هو أداة لإدارة مصالح محددة.
النتيجة هي صراع مزدوج المستوى: على الأرض وفي عقول الجمهور، حيث يُعاد تفسير دور الأطراف المختلفة وفق مصالحها، وتُخفي الحقائق الميدانية خلف واجهة خطابية رسمية. المشاركة في العدوان تُغطى بخطاب الدفاع المشروع، والمطالبة بالحقوق والسيادة تُحوّل إلى انتهاك أو اعتداء. هذا النموذج يوضح أن المصالح السياسية والشخصية تتحرك فوق أي اعتبار للقانون الدولي أو الأخلاق، ويكشف قدرة الإعلام على إعادة تشكيل إدراك الجمهور لصالح هذه المصالح.
في ضوء هذه الوقائع، يصبح من الضروري قراءة الأحداث بمعايير موضوعية، بعيدًا عن الانحياز الإعلامي أو السياسي، وتحليل السياسات وفق ما هو موجود على الأرض وليس وفق الخطاب الرسمي فقط. هذا الفهم يوفر قدرة أكبر على استيعاب التحركات العسكرية والدبلوماسية، وتقييم تأثيرها على الأمن والاستقرار الإقليمي، ويكشف كيف يمكن للإعلام أن يغطي مشاركة فعلية في العدوان مع إعادة تشكيل إدراك الجمهور بما يخدم مصالح محددة.






