مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

هاني شاكر: سيمفونية التوجس والشجن النبيل (سلامتك)

هو فنان مصاب بالقلق ذاك القلق الذي يعتري الصنايعي الشاطر وهو يضع اللمسة الأخيرة على قطعة آربيسك، مخافة أن يزوغ الإزميل ميليمتراً واحداً.

مشاركة:
حجم الخط:

هاني شاكر التوجس النبيل 

بينما كان العالم من حوله يهرع نحو الصخب، اختار هاني شاكر أن يبني مملكته من “خوف” محمود، ليس خوف المتردد، بل توجس الفنان الذي يدرك ثقل الأمانة.

هو ذاك التوجس النبيل الذي جعل من صوته سيمفونية ممتدة، لا تقبل بغير المثالية بديلا.

لم يكن ظهور هاني شاكر في أوائل السبعينيات مجرد ميلاد لمطرب جديد، بل كان إعلاناً عن مدرسة “الشجن المهذب”.

في وقت كان العمالقة لا يزالون يملؤون السمع والبصر، وقف الشاب الذي يحمل ملامح طيبة، وصوتاً يحمل رنة الفراق دون انكسار.

التوجس هنا كان في اختياره لمساره؛ فلم يسعَ لتقليد العندليب رغم التقارب، بل نحت لنفسه شكلا من الرومانسية التي تخاطب الوجدان دون استجداء.

درع الدوق العام 

يظهر نبُل هذا التوجس في حرص هاني شاكر الدائم على “هيبة” المسرح والكلمة.

هو الفنان الذي يرتدي بدلته الرسمية وكأنها درع يحمي به الذوق العام.

هذا القلق الدائم من التغيرات العاصفة في الموسيقى جعله يقف كحارس على حدود الأغنية الطربية، مدافعاً عن اللحن الطويل والكلمة التي تحتمل التأويل، معتبراً أن الفن “رسالة” قبل أن يكون “تريند”.

مشوار أمير الغناء العربي 

إذا تأملنا مشوار “أمير الغناء العربي”، سنبدو أمام بناء سيمفوني محكم، يبدأ من النعومة المفرطة في “كده برضه يا قمر”، مراراً بالنضج العاطفي في “نسيانك صعب أكيد”، وصولاً إلى مرحلة الهدوء والوقار الحالي.

في كل هذه المحطات، كان التوجس هو المحرك؛ الخوف من السقوط في فخ التكرار، أو التخلي عن تلك الروح الشاعرية التي جعلت منه “أنيس” المحبين في لحظاتهم الأكثر ضعفاً.

لا ينحني ولا ينكسر 

لو تأملت وجه هاني شاكر، لوجدت ملامح “ابن الأكابر” الذي لم تفسده الأضواء؛ وجهٌ مصقول كقطعة رخام في بهو قصر قديم، لكن خلف هذا الصمت الأنيق تكمن “دراما” هائلة.

هو فنان مصاب بالقلق ذاك القلق الذي يعتري الصنايعي الشاطر وهو يضع اللمسة الأخيرة على قطعة آربيسك، مخافة أن يزوغ الإزميل ميليمتراً واحداً.

هاني لا يغني بصوته فقط، بل يغني بـ “برستيجه” وكبريائه، وكأنه يقف في كل مرة أمام لجنة اختبار لا ترحم، يخشى على نغمة تخرج شاردة أو عربة موسيقية تفتقد الوقار.

جاء في زمن العمالقة 

جاء هاني في زمن “العمالقة الكبار “، كان عليه أن يمر عبر دهاليز محمد الموجي، ذاك العبقري الذي لا يقبل بأنصاف الأصوات ولا بالطلة الباهتة.

الموجي لم يكتشف مطرباً فحسب، بل اكتشف “حالة” من الرومانسية المفقودة وسط زحام الأغنية الشعبية والمونولوج.

حين قدمه في حلوة يا دنيا و سيبوني أحب عام 1972، كان يزرع شتلة طرية في أرض صخرية.

هاني وقتها لم يقلد أحداً، بل وقف بشموخ الموهوب الواثق لا ينحني للريح ولا ينكسر، متمسكاً بـ “بحة” في صوته تشبه بكاء الكمان في ليلة قمرية، ليثبت أنه ليس بديل العندليب ، بل هو امتداد لمدرسته

بين شقاوة بليغ حمدي وشياكة الحان محمد سلطان، تشكل وجدان هاني

بليغ، الجن الموسيقي الذي كان يريد لآهات هاني أن تخرج عارية بلا قيود، دفعه للمغامرة في ” علوّ الضحكاية و هو اللي اختار وعومنى في بحر عينيك ، فخرج هاني من “شرنقته” ليرقص بصوته فوق النغم.

أما سلطان، الشيك الذي يرتدي ألحانه كما يرتدي بذلته، فقد رسم له مسارات تشبه الياقات المنشّاة، وقار وهيبة وسلطنة في سألتك و من غير وداع.

وسبوني أحب ، هاني شاكر كان الخيط الحريري الذي يربط بين عفرتة بليغ وعقلانية سلطان، محتفظاً دائماً بمسافة “الأمان النبيلة” التي لا تجعله يسقط في فخ الابتذال أبداً.

عاش حارسا للزمن الجميل 

عاش هاني رحلته كحارس مرمى في مباراة لا تنتهي؛ يصد كرات الموضة الزائفة، ويتمسك بـ ياريتني و غلطة و “نسيانك صعب أكيد” كدروع حصينة ضد التردي.

هو المطرب الذي لم يخلع “الجاكيت” أبداً أمام الميكروفون، لا لبرودة في الجو، بل لأن الغناء عنده “طقس مقدس” يتطلب كامل الهيئة وكامل الانتباه.

هذا التوجس من غدر الزمن الفني جعله يشيخ بوقار يحسد عليه، محتفظاً بجمهوره الذي يرى فيه الزمن الجميل الذي يأبى الرحيل، والبرنس الذي يرفض أن يتنازل عن عرش “الشجن الشيك”.

أيها الأمير سلامتك

اليوم، يمر هذا “البرنس” بوعكة صحية، وكأن جسده الرقيق قرر أخيراً أن يأخذ استراحة محارب من فرط التوجس والقلق على الفن والذوق.

إننا نرفع الأكف بالدعاء لهاني شاكر، الفارس الذي علمنا أن الحزن يمكن أن يكون نبيلاً، وأن “الآه” يمكن أن تخرج بـ شياكة دون عويل.

نسأل الله له الشفاء العاجل، ليعود إلى فنه، ملكاً متوجاً على عرش القلوب، وتميمةً للوفاء في زمن تاهت فيه العناوين.
أيها الأمير .. سلامتك

شارك المقال: