مقام الفناء والبقاء.. حين تتغير فكرة الذات
في النص الصوفي تظهر فكرة الفناء لا بوصفها نهاية مأساوية.. تظهر بوصفها تحوّلًا عميقًا في فهم الإنسان لذاته. الفناء هنا يعني زوال الصورة الصلبة التي يصنعها الإنسان لنفسه..تدري عزيزي القارئ إنه لحظة إدراك أن الهوية التي يتمسك بها ليست سوى طبقة من طبقات أعمق بكثير

أحمد عبد الجواد يكتب
الإنسان في حياته اليومية يعيش وهو يشعر أن ذاته ثابتة.. اسم يعرفه.. سيرة يرويها.. صفات يكررها عن نفسه حتى تصبح مألوفة مثل وجهه في المرآة.. هذا الإحساس بالثبات يمنحه طمأنينة.. يمنحه شعورًا بالسيطرة على مسار حياته. غير أن الخطاب الصوفي يفتح سؤالًا مختلفًا تمامًا.. ماذا لو كانت الذات نفسها طريقًا لا نقطة وصول.. ماذا لو كان أكثر ما يعيق الإنسان هو اعتقاده أنه قد اكتمل بالفعل؟
في النص الصوفي تظهر فكرة الفناء لا بوصفها نهاية مأساوية.. تظهر بوصفها تحوّلًا عميقًا في فهم الإنسان لذاته. الفناء هنا يعني زوال الصورة الصلبة التي يصنعها الإنسان لنفسه..تدري عزيزي القارئ إنه لحظة إدراك أن الهوية التي يتمسك بها ليست سوى طبقة من طبقات أعمق بكثير.
حين يكتب أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين عن الفناء فإنه يصف حالة «يغيب فيها العبد عن نفسه بشهود الحق»¹.. العبارة تبدو في ظاهرها روحية خالصة.. غير أن بنيتها الخطابية تكشف عن تصور جديد للذات.. الذات هنا لا تختفي.. لكن تتبدل زاوية رؤيتها لنفسها.. فلم تعد مركز العالم بل صارت جزءًا من اتساع أكبر.
هذه الفكرة ليست بعيدة عن تجربة الإنسان المعاصر كما قد يبدو.. في لحظات محددة من الحياة يشعر الإنسان بأن ذاته تتسع فجأة.. لحظة يرى فيها جمالًا عظيمًا.. أو يمر بتجربة إنسانية مؤثرة.. أو ينسى نفسه تمامًا وهو منغمس في عمل يحبه. في هذه اللحظات يتراجع الشعور الضيق بالأنا.. يظهر إحساس مختلف بالوجود.. إحساس بأن الإنسان أكبر من تعريفاته المعتادة.
الخطاب الصوفي يلتقط هذه الخبرة الإنسانية الدقيقة.. يمنحها لغة.. يجعلها مركزًا لفهم العلاقة بين الإنسان والمعنى. الفناء في هذا السياق يعد تجربة داخلية تتكرر بصور متعددة في حياة كل إنسان.
اللغة الصوفية حين تتحدث عن الفناء تستخدم صورًا مألوفة.. البحر.. الضوء.. الذوبان.. صور تبدو بسيطة في ظاهرها.. تحمل عمقًا دلاليًا شديد الاتساع. حين يقول محيي الدين بن عربي إن العارف «يفنى عن نفسه ويبقى بربه»² فإن العبارة تصف إعادة ترتيب في مركز الإدراك.. هنا يا عزيزي لم تعد الذات ترى نفسها محورًا مطلقًا.. الذات أصبحت ترى نفسها في علاقة أوسع.
وهذا التحول في مركز الرؤية ينعكس مباشرة على بنية الخطاب الصوفي. النص لا يتحدث عن الذات بصيغة ثابتة.. فالضمائر تتحرك.. والصوت ينتقل.. واللغة تبدو أحيانًا كما لو كانت تبحث عن موقع جديد للمتكلم داخل العالم.
في نصوص الحلاج تظهر هذه الحركة بوضوح.. عباراته لا تستقر على تعريف واحد للذات.. تتوتر.. تتبدل.. تعكس تجربة إنسان يشعر أن هويته القديمة لم تعد قادرة على احتواء ما يعيشه³.
وهذا التوتر اللغوي يمثل في تحليل الخطاب الصوفي علامة أساسية.. اللغة هنا لا تصف الذات.. لكنها تعيد تشكيلها حتى يصبح النص مساحة تتحرك فيها الهوية.. أو لنقل مرآة تعكس صورة الإنسان الباحث عن طريق الله.
الفناء يقود دائمًا إلى مفهوم آخر في التصوف وهو البقاء. البقاء يا سيدي لا يعني عودة الذات إلى صورتها القديمة.. البقاء يعني ظهور صورة جديدة.. وذات أكثر اتساعًا.. وأقل تمركزًا حول نفسها.. وأكثر قدرة على رؤية العالم في ترابطه.
هذا التحول يلامس خبرة الإنسان المعاصر بعمق.. في عالم يضغط على الإنسان ليؤكد ذاته باستمرار.. ليعرّف نفسه عبر الإنجاز والمكانة والصورة الاجتماعية.. يظهر مفهوم الفناء كدعوة إلى التحرر من هذا الثقل. والتحرر هنا يعني التخلي عن الذات عن طريق اكتشاف بعدها الأوسع.
دعني أضرب لك مثالا حين يمر الإنسان بأزمة كبيرة.. خسارة.. فشل.. صدمة.. يشعر غالبًا بأن صورته عن نفسه تنهار. في البداية يبدو هذا الانهيار مؤلمًا.. غير أن كثيرين يكتشفون لاحقًا أنه فتح بابًا لرؤية جديدة للحياة.. رؤية أكثر واقعية.. أكثر عمقًا.. أقل تعلقًا بالمظاهر. هذه الخبرة الإنسانية تشبه في جوهرها ما تصفه اللغة الصوفية بالفناء.
الخطاب الصوفي يدعو إلى تحرير نفسك من أوهام الاكتمال.. أنت لست كاملًا أنت تحتاج دىمًا إلى العديد من مكملات وأسباب الحياة.. لذلك نجد أن اللغة التي تتحدث عن الذوبان والغياب تمجد التحول. والذي تقصد به هتا تحول الذات التي تفنى وهي رؤيتنا للذات الضيقة.. للوصول إلى الذات التي تبقى وهي الذات المنفتحة.
ومن زاوية بلاغية يمكن فهم الفناء بوصفه آلية لإعادة توزيع مركز الخطاب.. فلو نظرنا إلى الضمير المتكلم سنجده لا يحتل موقعًا ثابتًا في النص الصوفي.. هو يتحرك داخل شبكة أوسع من العلاقات طول الوقت.. لأنه بمثل الذات الخائرة الحائرة التي تحاول الوصول إلى الله.. لذا يصبح النص مجالًا لحركة مستمرة بين الحضور والغياب.. بين القرب والبعد.
هذه الحركة تمنح الخطاب الصوفي طاقته الخاصة.. طاقة تجعل القارئ يشعر أنه يشارك في تجربة لا في تقرير؛ فاللغة الصوفية تفتح مسارًا للتأمل.. وتدعو إلى إعادة النظر في المسلمات الأكثر رسوخًا.
والآن حتى يصل إليك المفهوم كاملًا دعنا ننظر في حياة الإنسان اليومية حين يتجلى معنى الفناء في لحظات بسيطة.. وذاك حين يتجاوز الإنسان انشغاله بنفسه لينتبه بصدق إلى الآخر فيؤثر الآخر على نفسه.. حين ينسى حساباته ليقدم عطاءً خالصًا.. حين يدرك فجأة أن ما كان يراه نهاية لم يكن سوى بداية. هذه اللحظات الصغيرة تشكل المعنى الحقيقي لفكرة الفناء في بعدها الإنساني.
والأدب الصوفي يحاول أن يحفظ أثر هذه التحولات الدقيقة في اللغة.. ويجعلها قابلة للقراءة والمشاركة.
ورد المقام.. الذات التي تتمسك بصورتها تضيق.. الذات التي تجرؤ على التحول تتسع حتى ترى العالم كله مرآةً لها.
الحواشي
1- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة.
2- محيي الدين بن عربي، فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، بيروت: دار الكتاب العربي.
3-الحلاج، الطواسين، تحقيق لويس ماسينيون، بيروت: دار الآفاق الجديدة.
أحمد عبد الجواد
#الحكاء





