معصوم مرزوق يكتب: دخول أمريكا إلي العالم!
ثم كان أول تحرك علي إستحياء يتمثل في " مبدأ مونرو " الذي اعتبر أن أمريكا الجنوبية تمثل " الفناء الخلفي " لأمريكا ، يحظر تدخل دول أخري فيها

صورة تعبيرية من وحي المقال
البدايات : العزلة المريحة
منذ إكتشاف أمريكا ، وبعد تحررها من الإحتلال البريطاني ، كان يمكن تلخيص السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد جورج واشنطن علي أنها ” العزلة المريحة ”
فقد وفر لها موقعها الجغرافي الفريد أن تكون بعيدة عن العالم ، وخاصة أوروبا التي كانت تموج بالحروب والمشاكل.
ثم كان أول تحرك علي إستحياء يتمثل في ” مبدأ مونرو ” الذي اعتبر أن أمريكا الجنوبية تمثل ” الفناء الخلفي ” لأمريكا ، يحظر تدخل دول أخري فيها .
تكريس فكرة العزلة المريحة لمثالية أمريكا
وقد تكرس هذه ” العزلة المريحة ” في الفكر الأمريكي ، ووجدت العديد من الأفكار التي تدعم ذلك ومنها ” أن مثالية أمريكا لا ينبغي أن تتلوث بالعالم ” ، وأن ” تجربتها الفريدة يمكن للعالم أن يقتدي بها ، ولكن أمريكا لا تهتم بالتبشير بها ” .
شخصية ودرو ولسن تتناسب مع العزلة المريحة ولكن
وعندما تقلد الرئيس ” ودرو ولسن ” رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن أحد يتصور أن أمريكا سوف تحيد عن هذه السياسة الثابتة، بل أن شخصية الرئيس نفسه لم تكن توحي بأنه سيكون أول من يقحم أمريكا في المستنقع الأوروب ، فقد كان رئيساً لجامعة برينستون، وشخصية مرهفة الحس تهوي كتابة الخطابات الأنيقة للسيدات.، قادته ظروف لم يسعي إليها بجدية إلي أن يكون حاكما لولاية نيوجرسي .
ثم نتيجة لإنقسامات في الحزب الديمقراطي تم الدفع به بواسطة بعض محترفي صناعة الرؤساء إلي الواجهة ليجد نفسه الرئيس الرابع والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية في 4 مارس 1913.
أعيد انتخابه لحفاظه على عزلة أمريكا
ورغم أنه عاد لتولي منصب الرئاسة في إنتخابات نوفمبر 1916، بإعتباره الرئيس الذي حافظ علي بقاء بلاده بعيدة عن الحرب العالمية الأولي، فأنه بعد توليه ذلك المنصب للمرة الثانية لم تمض سوي خمسة أشهر إلا وأصدر قراره الخطير بدخول أمريكا إلي هذه الحرب إلي جانب الحلفاء في إبريل 1917 .
تأثر بالتربية الدينية
لقد تأثر ولسن بتربيته الدينية، بل أن أبيه كان يتمني أن يكون مثله قسيساً، كما أنه كان يكرر دائماً أثناء إشتعال هذه الحرب في العالم،بأنه ” أكثر إفتخاراً من أن يقاتل ” Too proud to fight”
كان بطبيعته يتفادي الجدل والمواجهة لأنه يخشي الصدام، ولم تكن له حياة إجتماعية واسعة فقد كانت الأسرة هي محيط إهتمامه الرئيسي ومحط استقراره وهدوئه، لدرجة أنه بعد وفاة زوجته أثناء فترة رئاسته الأولي، سارع بالزواج من سيدة مطلقة توفر له هذا الأمان رغم أنه كان حينذاك قد تجاوز الستين من عمره .
رسالة من أمه تكشف طبيعته
وربما تكشف رسالة أرسلتها له أمه عندما كتب لها يشكو من تصرفات سيئة من زملائه في المدرسة، فقد كتبت له :
” أن تخوفك من أن تدفع إلي ما يتجاوز صبرك خلال هذه الأيام الصعبة، بسبب هؤلاء الزملاء المتطرفين ، قد أوجع قلبي، ولكنني أعرف مدي رباطة جأشك – أو سأكون حزينة إذا لم تكن كذلك –
ومع علمي أنه سيكون من الصعب تحمل تصرفاتهم الغبية بهدوء ، فأن ذلك هو الشيئ الوحيد الذي يمكن عمله لكي يحافظ الإنسان علي كرامته.
وأنا واثقة من أنك تمتلك من الشجاعة كي تترفع عن إساءاتهم، لا تتحدث يا عزيزي عن ضربهم مهما فعلوا أو قالوا ، ولا تفكر في ذلك أبداً ، فمثل هؤلاء الناس أقل من أن يلفتوا نظرك ”
كان يؤمن بالاقتناع ويصف نفسه رجل الأدب
كان يؤمن بقوة الإقناع من خلال الكلمة والمناقشة ، ويثق في قدرة اللسان أن يحل محل السيف ، وكان يصف نفسه بأنه ” رجل الأدب ”
يفضل أن يصفه الناس ” بالكاتب ” ، وكان خطيباً مفوهاً قلما أستخدم كلمة سابقة الإعداد كي يقرأها في إجتماع.
قد كان يعجب ببعض أبيات للشاعر كيبلنج، ووضعها في إطار علي مكتبه في البيت الأبيض، تقول هذه الأبيات : ” إذا استطعت أن تحلم ، لا تدع حلمك سيدك
إذا استطعت أن تفكر ، لا تدع أفكارك هي هدفك
إذا أستطعت واجه النصر والكارثة بإعتبارهما نفس الشيئ ” .
ولقد كتب الكثيرون عن الدور الكبير الذي لعبه إدوارد مندل هاوس كمستشار شخصي للرئيس ولسن.
إدوار مندل هاوس الشريك الصامت
كان هذا الرجل بالفعل واحداً من أهم الشخصيات في حياة الرئيس الأمريكي السياسية ، وكانت أهم مميزاته هي عمله في صمت ودأب، دون سعي للشهرة أو التربح من وظيفته.
وهناك من رأي أن ” هاوس ” كان العقل المدبر وراء أغلب إن لم يكن كل القرارات التي اتخذها ولسن سواء في الشئون الداخلية أو الخارجية، ووصفه الرئيس بأنه ” شخصيته الثانية ” بينما وصفه أخرون بأنه ” الشريك الصامت ” للرئيس الأمريكي .
وقد كتب عنه رئيس الوزراء البريطاني : ” بأن ولسن كان معبوده ، ولكن بمعني أنه هو الذي التقط ” ولسن ” واكتشفه ، ثم شكله كسياسي ، وبني محراباً له ووضعه فيه كي يعبد ” .
الحرب العالمية الأولي
ومن المعروف أن الحرب العالمية الأولي بدأت بحادثة إغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند في يوليو 1914 علي يد متطرف صربي ، فقامت النمسا بإرسال إنذار شديد اللهجة إلي صربيا ، وهو ما أعتبرته روسيا غير متناسب.
بينما وقفت ألمانيا مؤيدة لحليفتها، ووقفت فرنسا إلي جانب روسيا، وترددت بريطانيا في إتخاذ موقف رغم ارتباطها مع فرنسا وإيطاليا بما أطلق عليه ” التوافق الودي ” حيث لم تكن تري أن هذا التوافق يلزمها بمساعدة فرنسا.
لكنها في نفس الوقت كانت لا تفضل هيمنة ألمانية علي القارة الأوروبية، وظلت علي ترددها حتي قامت ألمانيا بإحتلال بلجيكا وهي الدولة المحايدة التي قامت الدول الكبري بما فيها ألمانيا بضمان حيادها.
وبالتالي أعلنت بريطانيا الحرب في 4 أغسطس 1904 ، وبدأت فصول الحرب العالمية الأولي الدامية .

الخروج من العزلة المريحة
وقد أجمع المؤرخون علي أنه لولا دخول بريطانيا الحرب لتمكنت ألمانيا من تحقيق النصر، ولولا دخول أمريكا لما تمكن الحلفاء من هزيمة ألمانيا.
وقد قال المستشار الألماني وقتها للسفير البريطاني في برلين غاضباً :
” ما هذا النفاق حيال بلجيكا ، هل ستقوم بريطانيا بطعن دولة في الظهر ، رغم أنها تحارب علي جبهتين ( روسيا وفرنسا ) فقط من أجل قطعة من الورق ( إتفاق ضمان حياد بلجيكا ) ؟
ولقد تعاطف ولسن مع بلجيكا، ولكنه لم يظهر هذا التعاطف وأعلن حياد أمريكا في هذه الحرب,
وقد كتب السفير الألماني في واشنطن خلال هذه الفترة ( كونت فون بيرنستورف ) أن الرئيس الأمريكي لم يبد أبداً أي ملاحظة غير محايدة رغم ضغوط الحلفاء عليه، ورغم حقيقة أنه كان محاطاً بأعداء ألمانيا طول الوقت.
لم يكن الحياد الذي أعلنه ولسن هو ذلك الموقف القانوني المتعارف عليه فقط ، بل أنه أراده أيضاً ” حياداً في التفكير والمشاعر “
أعداء ألمانيا يضغطون
ولكن ذلك كان متماشياً تماماً مع موقف الشعب الأمريكي بوجه عام ، بل أنه في البداية اجتمع عليه كل من الحزبين الرئيسيين.
يلاحظ أن أمريكا كان يعيش فيها خلال هذه الفترة ما يقرب من ثمانية ملايين أمريكي من أصل ألماني، وحوالي خمسة مليون من أصلي أيرلندي يكرهون بريطانيا، وكذلك أربعة ملايين يهودي يكرهون روسيا ( وهي أحد دول الحلفاء )
بالإضافة إلي حوالي 2 مليون أمريكي من أصل سويدي لا يطيقون روسيا ، ويميلون إلي ألمانيا بوجه عام .
الرئيس يتمسك بالحياد
وقد صرح ولسن لبعض الصحفيين يوم 3 أغسطس 1914 ( أي يوم بعد إعلان بريطانيا دخولها الحرب ) : ” أريد أن أشعر بالفخر بأن أمريكا تمتلك رباطة الجأش وتقف جاهزة بهدوء وتدبر وثبات في الغرض كي تقدم مساعدتها لباقي العالم ”
أمام الكونجرس زاد علي ذلك بقوله : ” أنه ليس لدينا ما نفعله في هذه الحرب التي لا يمكن لأسبابها أن تمس بنا ”
بعد ذلك وفي خطاب في يناير 1915 قال :” ألا تظنون أن العالم سوف ينظر إلي أمريكا ذات يوم ويقرر أننا كنا علي حق وكانوا هم علي خطأ ؟ وأننا حافظنا علي رؤوسنا بينما فقدوا هم رؤوسهم ؟وذلك بسبب رباطة جأشنا وهدوئنا وقوتنا “
وأضاف “سيسألون إذا كان في مقدورنا أن نقدم لهم المساعدة .. ألا نستطيع أن نتطلع إلي ذلك اليوم الذي سوف نوصف فيه بأننا الخير الذي أخرج العالم من أحزانه ؟
أنني أعرف المبادئ العالية التي ستجعل الشعب الأمريكي يستجيب لهذا النداء كي يخدم العالم ”
كان واضحاً منذ البداية أن ودرو ولسن كان يريد الإحتفاظ بموقف الحياد مع الإستعداد للقيام بعملية الوساطة بين الأطراف المتحاربة.
معارك البحرية وسقوط مواطنين أمريكيين
إلا أنه ببدء المعارك البحرية التي أحكمت فيها بريطانيا الحصار البحري علي ألمانيا بما أطلق عليه ” عملية تجويع ألمانيا ”
ثم قيام ألمانيا بمحاولة ضرب هذا الحصار عن طريق سلاح الغواصات الجديد الذي بدأ يوجه ضرباته إلي خطوط النقل البحرية بما أدي إلي إغراق بعض السفن التجارية في المحيط الأطلنطي.
بريطانيا تدفع للدخول للحرب
نتيجة ذلك سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين كان من بينهم مواطنون أمريكيون ، كل ذلك أدي إلي أزمة سياسية بين أمريكا وألمانيا.
كانت بريطانيا تقوم بتغذيتها في محاولة لدفع أمريكا لدخول الحرب ، ورغم أن ” أزمة الغواصات ” كانت علي وشك أن تنتهي.
إلا أن مستشــار الرئيس ” هاوس ” الذي قام برحلة إلي أوروبا للوساطة في نهاية 1916 ، قام بالتوقيع علي مذكرة تفاهم مع وزير الخارجية البريطاني تضمنت قيام أمريكا بتوجيه نداء للتسوية ، وفي حالة رفض أحد الطرفين، تنضم أمريكا إلي الطرف الآخر، كانت هذه المذكرة إحدي أهم اللعبات الدبلوماسية الحاسمة في الحرب العالمية الأولي.
حيث أن ” هاوس ” كان قد أقتنع بتصلب الموقف الألماني
نجحت الدبلوماسية البريطانية في إستمالته ( وكذلك كان السفير الأمريكي في لندن متعاطفاً بقوة مع الحلفاء إلي درجة إرسال خطابات شديدة اللهجة إلي الرئيس الأمريكي تنتقد سياسته في الحياد ) .
ويلاحظ أن القرار الذي أرسله ولسن إلي الكونجرس لإعلان دخول أمريكا إلي الحرب، قد تضمن أن الحرب قد فرضت علي أمريكا، علي أساس تدخل ألمانيا في حق المرور في أعالي البحار، وهو الحق الذي تملكه أمريكا بموجب القانون الدولي.
لكن كان نفس القانون آنذاك يعترف بما يسمي ” مبدأ الإنتقام ” الذي يجيز للدولة المتحاربة أن تستخدمه ضد خصمها.
المشكلة هي في أثر ذلك علي الدول الثالثة أو المحايدة، وكان الفقهاء يركزون علي تطبيق مبدأ آخر وهو ” مبدأ التناسب ” أي التناسب ما بين حجم الضرر الذي وقع علي الدولة، وبين ما قامت به علي سبيل الإنتقام، في زمن كان العالم فيه يقبل بمبدأ الحرب الشاملة التي كانت إستثناءات المدنيين وغير المحاربين فيها قليلة للغاية .
ولقد أتهم كثير من المؤرخين الرئيس الأمريكي بالنفاق والكذب
كما كشفت الوثائق واليوميات ( ومنها يوميات مستشاره الشخصي ) الكثير من الأمور التي شككت في الصورة التي نقلت عن ويلسن بإعتباره رسول السلام للبشرية.
الواقع أن هناك أسئلة كثيرة لا تزال بغير إجابة، فهل توجه ولسن إلي الحرب فعلاً من أجل سيادة القانون الدولي والحفاظ علي حقوق الدول المحايدة ؟
إذا كان ذلك صحيحاً فلماذا لم يحارب ضد بريطانيا أيضاً التي أنتهكت العديد من القواعد المتبعة في حصارها البحري الذي فرضته علي ألمانيا بالمخالفة لإعلان لندن الشهير ؟
ثم أين كانت أمريكا عندما أحتلت دولة محايدة مثل بلجيكا في بداية الحرب ؟
والأهم من كل ذلك أن أمريكا نفسها بعد أن دخلت الحرب انتهكت العديد مما يسمي بحقوق المحايدين .
هناك من فسر تدخل ولسن في الحرب لأسباب شخصية تتعلق برغبته في دخول التاريخ كصانع سلام ، وهي الرغبة التي غذاها فيه مستشاره الشخصي ” هاوس ”
وهناك من رأي أن قناعة ولسن بأن إنتصار ألمانيا علي الحلفاء سوف يشكل خطراً إستراتيجياً علي أمن أمريكا ، أي أن الدافع كان تحقيق مصلحة ذاتية لأمريكا بغض النظر عن ما تضمنته البيانات الرسمية من مبادئ وقيم ومثل عليا .
أياً ما كان الأمر، فقد كانت الحرب العالمية الأولي البوابة الواسعة التي دخلت منها أمريكا لفرض هيمنتها خلال القرن الماضي.
وكانت نفس الحرب هي التي شهدت إتفاق سايكس / بيكو الشهير ، ووعد بلفور وهي بعض النتائج المباشرة لهذه الحرب التي أدخلت الشرق الأوسط في النفق الذي لم تخرج منه حتي الآن.
إذا كان هناك إجماع علي أن الرئيس ودرو ولسن هو الذي أدخل أمريكا إلي العالم.
فهناك آراء تري الآن أن الرئيس جورج بوش الإين هو الذي نجح في إخراجها منه مرة أخري.
وقد تم تعميد الدخول والخروج بالدماء والدمار ، وفيما كان الدخول تحت رايات المبادئ والقيم والمثل العليا التي أجاد ولسن تسويقها ، فأن الخروج كان تحت رايات أخري معاكسة تماماً .





