معتز منصور يكتب: سياسة التناقضات الإقليمية
لا يكفي أن تعرف من يقف في أي موقع، لأن المواقع نفسها لم تعد ثابتة. ما يحدد الوزن الحقيقي لأي فاعل هو قدرته على المناورة داخل التناقضات، لكن أيضاً حدود هذه المناورة.

في هذا الإقليم، لا تكمن المشكلة في تعدد الولاءات، بل في القدرة على بيع كل ولاء بوصفه نقيضه. هنا، يمكن لقاعدة عسكرية أن تُقدَّم كضمانة للاستقلال، ويمكن لقناة إعلامية أن تُسوَّق كصوتٍ للمقاومة، فيما هي تعيد تشكيل الوعي بما يخدم شبكة مصالح أكثر تعقيداً مما يُقال. من يكتفي بالتصنيف السريع، مع أو ضد، لا يخطئ فقط في الحكم، بل يُسهم في تثبيت الوهم الذي تقوم عليه اللعبة كلها.
منذ نهاية حرب الخليج، تشكل نظام أمني إقليمي تقوده القيادة المركزية الأمريكية، يقوم على انتشار عسكري واسع عبر الخليج. قُدِّم هذا الانتشار كضرورة لحماية الاستقرار في مواجهة تهديدات متصاعدة، وعلى رأسها إيران. لكن السؤال الذي يتم الهروب منه باستمرار ليس كيف نشأ هذا النظام، بل ماذا أصبح عليه. هل ما زال أداة ردع، أم تحوّل إلى قيدٍ استراتيجي يحد من قدرة الدول نفسها على اتخاذ قرارات مستقلة؟ الحقيقة الأقل راحة أن هذا النظام، بقدر ما يوفر مظلة حماية، يفرض ثمناً سيادياً متراكماً، يجعل من الاستقلال السياسي ادعاءً أكثر منه واقعاً.
غير أن الاختزال في البعد العسكري وحده يبقى خطأً مريحاً. لأن ما يميز بعض الفاعلين في المنطقة ليس موقعهم داخل هذا النظام، بل قدرتهم على اللعب فوقه وتحته في آنٍ واحد. هنا تظهر براغماتية باردة، تقوم على تعدد الأدوار إلى حد التناقض. قنوات مفتوحة مع واشنطن، وأخرى مع خصومها، وساطات بين أطراف متحاربة، وإدارة متزامنة لخطابات متضادة. في هذا السياق، لا تبدو الوساطات بين حماس والولايات المتحدة مفارقة، بل نتيجة طبيعية لهذا النمط من السلوك.
لكن هذا النمط ليس عبقرية سياسية كما يُسوَّق له، بل في كثير من الأحيان تعبير عن عجز مؤجل. اللعب على كل الحبال لا يعني السيطرة على المشهد، بل قد يعني الخوف من اتخاذ موقع واضح. لأن التوازن الدائم ليس حالة مستقرة، بل مقامرة مستمرة، يكفي أن يختل أحد أطرافها حتى ينكشف كل شيء دفعة واحدة. الدول التي تعتقد أنها تدير التناقضات قد تكتشف، متأخرة، أنها كانت تُدار من خلالها.
في هذا السياق تحديداً، يصبح دور الإعلام أكثر خطورة من أي قاعدة عسكرية. لأن القاعدة تفرض واقعاً مادياً يمكن رصده، أما الإعلام فيعيد تشكيل الوعي ذاته. هنا تبرز شبكة الجزيرة الإعلامية كنموذج لا يمكن التعامل معه بسذاجة أو إعفاء. لقد نجحت هذه المنظومة في بناء صورة ذهنية لنفسها كمنصة منحازة لقضايا المنطقة، لكن هذه الصورة، عند اختبارها، تبدو انتقائية إلى حد يثير الريبة.
المشكلة ليست في وجود خطاب داعم في لحظات معينة، بل في نمط أعمق من التوظيف. ما يُعرض، وما يُحجب، زاوية التغطية، ترتيب الأولويات، كلها عناصر لا تعكس فقط رؤية إعلامية، بل توجهاً سياسياً محسوباً. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يكتفي بالتأثير على الجمهور، بل يخلق بيئة ضغط على الفاعلين أنفسهم، فيصبح جزءاً من عملية صنع القرار، لا مجرد ناقل لها. هنا، لا يعود السؤال هل الإعلام يعكس السياسة، بل إلى أي مدى يفرضها.
القول بوجود أدوار مشبوهة لم يعد اتهاماً انفعالياً بقدر ما أصبح فرضية تستحق التفكيك الجاد. لأن التناقض بين الصورة المعلنة والسلوك الفعلي، حين يتكرر، لا يمكن تفسيره دائماً بالبراغماتية. أحياناً يكون ببساطة ازدواجية مقصودة، هدفها تعظيم النفوذ عبر الإمساك بخيوط متعارضة في الوقت نفسه.
المشكلة أن هذا التعقيد كله يُقابَل بخطاب ساذج، يختزل المشهد في خيانات مطلقة أو بطولات مطلقة. هذا الخطاب، رغم حدته، يخدم الواقع الذي يدّعي معارضته، لأنه يعفيه من المساءلة الحقيقية. حين يتحول كل شيء إلى إدانة أخلاقية، يختفي السؤال الأهم، كيف تُدار هذه الشبكات فعلاً، ومن المستفيد منها، ومن يُستخدم داخلها دون أن يدرك.
في النهاية، لا يكفي أن تعرف من يقف في أي موقع، لأن المواقع نفسها لم تعد ثابتة. ما يحدد الوزن الحقيقي لأي فاعل هو قدرته على المناورة داخل التناقضات، لكن أيضاً حدود هذه المناورة. لأن التاريخ في هذه المنطقة لا يرحم من يبالغ في تقدير قدرته على اللعب، ولا يتأخر في كشف من ظن أن بإمكانه الجمع بين كل الأضداد دون أن يدفع الثمن. هنا تحديداً، يسقط القناع، لا بفعل خطابٍ غاضب، بل بفعل واقع لا يمكن التلاعب به إلى ما لا نهاية.






