مقالات
د. عبود مصطفى عبود
د. عبود مصطفى عبود

كاتب وباحث

مستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب؟

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط هو نشوء نظام إقليمي أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. القوى الخليجية، التي استثمرت تريليونات الدولارات في مشاريع تنموية طويلة الأمد

مشاركة:
حجم الخط:

ثم ماذا بعد؟

عند انتهاء الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تنتهي الصراعات بقدر ما تنتقل من المجال العسكري إلى المجال البنيوي، أي إلى مستوى إعادة تشكيل النظام الإقليمي ذاته.

الحرب ليست مجرد مواجهة مسلحة بين أطراف محددة، بل هي لحظة كاشفة لاختلالات التوازن، ومسرّع لتحولات كانت كامنة تحت السطح.

ولذلك فإن السؤال عن مستقبل المنطقة بعد الحرب هو في جوهره سؤال عن طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتكوّن: هل سيكون نظاماً قائماً على توازن ردع مستقر نسبياً، أم فضاءً مفتوحاً لسيولة استراتيجية مزمنة تتداخل فيها الحروب المحدودة، وحروب الوكالة، وأزمات الاقتصاد السياسي؟

توازن القوىالإقليمية

لفهم ما قد يحدث، ينبغي الانطلاق من مفهوم «توازن القوى الإقليمي» كما تطوّر في أدبيات العلاقات الدولية. في النظم الإقليمية الهشة، لا يكفي اختلال ميزان القوة العسكرية لإعادة صياغة النظام؛ بل يتطلب الأمر تفاعلاً بين القوة الصلبة، والموارد الاقتصادية، والشرعية السياسية، والقدرة المؤسسية للدول.

الشرق الأوسط، منذ 2011، يعيش مرحلة «تفكك جزئي للنظام»، حيث تراجعت بعض الدول المركزية، وصعدت فواعل غير دولية، وتداخلت أدوار القوى الدولية.

أي حرب جديدة واسعة النطاق—خصوصاً إذا ارتبطت بإيران، أو بإسرائيل، أو بالممرات البحرية الحيوية—لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، بل ستدفع نحو مرحلة إعادة توزيع أدوار.

نظام إقليمي أكثر براغماتية

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط هو نشوء نظام إقليمي أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. القوى الخليجية، التي استثمرت تريليونات الدولارات في مشاريع تنموية طويلة الأمد، لا تحتمل حرباً مفتوحة تستنزف الموارد وتزعزع بيئة الاستثمار.

تركيا تتحرك بعقلية توسعية براغماتية تسعى لملء أي فراغ، لكنها تدرك حدود قدرتها على خوض صدام مباشر مع تحالفات كبرى. إيران، إذا خرجت من الحرب منهكة أو مُقيّدة، ستضطر إلى إعادة تعريف استراتيجيتها الإقليمية. في هذا المشهد، تتقلص مساحة الخطاب الثوري لصالح منطق إدارة المخاطر.

مصر 

وسط هذه التحولات، تبرز مصر بوصفها دولة «محورية جغرافياً» لكنها “مقيدة اقتصادياً” موقعها بين البحرين الأحمر والمتوسط، وسيطرتها على قناة السويس، وقربها من بؤر التوتر في غزة وليبيا والسودان، يجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات ما بعد الحرب.

غير أن الدور الإقليمي لا يُستمد من الجغرافيا وحدها؛ بل من القدرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي واقتصادي. وهنا تكمن معضلة القاهرة.

محددات الدور المصري

أول محدد لدور مصر بعد الحرب هو الأمن الحدودي الممتد في أربع دوائر: الشرق (غزة)، الغرب (ليبيا)، الجنوب (السودان)، والبحر الأحمر، أي انفلات في هذه الدوائر يهدد الاستقرار الداخلي ويضغط على الموارد المحدودة. لذلك ستتبنى القاهرة، على الأرجح، استراتيجية «الاحتواء الوقائي»

أي منع انتقال الفوضى إلى الداخل عبر مزيج من الردع العسكري المحدود، والوساطة السياسية، والتنسيق مع قوى دولية وإقليمية. هذا النمط يعكس أولوية بقاء الدولة واستقرار النظام على أي طموح توسعي.

غير أن الاقتصار على الاحتواء الدفاعي قد يحفظ الاستقرار، لكنه لا يبني نفوذاً طويل الأمد. النفوذ يتطلب مبادرة.

بعد الحروب تنشأ فرص لإعادة الإعمار، وإعادة رسم شبكات الطاقة والنقل، وبناء ترتيبات أمنية جماعية. إذا استطاعت مصر أن تتحول إلى مركز لوجستي وصناعي إقليمي، مستفيدة من قناة السويس وموقعها بين ثلاث قارات، فقد تعيد تعريف دورها كحلقة وصل حيوية في سلاسل الإمداد العالمية.

لكن هذا السيناريو مشروط بإصلاح اقتصادي هيكلي يعالج مسألة الدين العام، ويعزز الإنتاجية، ويعيد التوازن بين دور الدولة والقطاع الخاص، الاقتصاد هنا ليس مجرد عامل تنموي؛ بل عنصر في معادلة القوة، الدول التي تملك فائضاً مالياً تستطيع شراء الوقت وتخفيف الصدمات، أما الدول المثقلة بالديون فتصبح قدرتها على المناورة السياسية محدودة.

في حالة مصر، أي اضطراب طويل في البحر الأحمر أو في قناة السويس سيؤثر مباشرة على موارد النقد الأجنبي، لذلك فإن استقرار الممرات البحرية ليس قضية تجارية فحسب، بل مسألة أمن قومي بالمعنى الاستراتيجي.

دور القوى الناعمة 

هناك بعد آخر يتمثل في «القوة الناعمة» ودورها في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. في مراحل ما بعد الحرب، تحتاج المنطقة إلى خطاب عقلاني يخفف من الاستقطاب ويعيد بناء الثقة بين المجتمعات. مصر تاريخياً لعبت دوراً ثقافياً وفكرياً مركزياً في العالم العربي. استعادة هذا الدور، عبر الإعلام والتعليم والدبلوماسية الثقافية، يمكن أن يعزز مكانتها كفاعل توافقي، لا كطرف في محور صدامي. في الأنظمة الإقليمية المعقدة، القدرة على بناء التوافق لا تقل أهمية عن القدرة على الردع.

في المقابل، إذا تحولت الحرب إلى نمط دائم من الضربات المتبادلة وحروب الظل، فقد نشهد مرحلة «عسكرة ممتدة» للنظام الإقليمي.

في هذه الحالة ستضطر مصر إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز جاهزيتها، ليس سعياً لمغامرة خارجية، بل لحماية حدودها ومصالحها البحرية. إلا أن أي توسع في الإنفاق العسكري يجب أن يُوازن بعناية مع متطلبات التنمية، وإلا تحوّل إلى عبء إضافي على الاقتصاد.

مستقبل مصر؟

المستقبل، إذن، يتوقف على معادلة دقيقة بين الاستقرار الداخلي والدور الخارجي. الدولة التي تعاني من هشاشة اقتصادية أو انقسام داخلي تجد نفسها مضطرة إلى الانكفاء. أما الدولة التي تنجح في تحقيق قدر من التماسك المؤسسي، فتستطيع أن تلعب دور «الموازن الإقليمي» الذي يمنع هيمنة طرف واحد ويحافظ على قدر من الاستقرار الجماعي.

مصر تمتلك المقومات الجغرافية والبشرية والعسكرية لهذا الدور، لكنها تحتاج إلى قاعدة اقتصادية أكثر صلابة كي تمارسه بفعالية.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما بعد الحرب لن يكون لحظة حسم نهائي، بل بداية مرحلة إعادة تشكيل طويلة، الشرق الأوسط يتجه نحو نظام أقل يقيناً وأكثر تعددية في مراكز القوة.

مصر تقف أمام خيار استراتيجي: إما أن تظل في موقع الدفاع المتحفظ، مكتفية بإدارة الأزمات، أو أن تستثمر مرحلة إعادة التشكيل لتثبيت نفسها كركيزة توازن واستقرار عربي. الفارق بين المسارين لا تحدده الرغبة السياسية وحدها، بل قدرة الدولة على إصلاح بنيتها الاقتصادية وتعزيز مؤسساتها، لأن النفوذ في عالم ما بعد الحرب لا يُمنح، بل يُبنى على أساس القوة الشاملة.

شارك المقال: