مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: نقطة الحسم الصفري في الحرب

موقف طهران الصامد والرافض لوقف الحرب وفق المعادلة المطروحة ـ أي وقف القتال الآن ثم استئنافه لاحقاً في ظروف أفضل لواشنطن وتل أبيب ـ يكشف عن أن القيادة الإيرانية لا تنظر إلى الحرب بوصفها جولة عسكرية عابرة

مشاركة:
حجم الخط:

الحسم الصفري 

تتجه الحرب الأمريكية  الإسر ائيلية على إيران شيئًا فشيئًا نحو نقطة الحسم الصِّفري، تلك اللحظة التي يصبح فيها التراجع مكلفاً بقدر الاستمرار في التصعيد، وربما أكثر.

لم تعد المواجهة قابلة للاحتواء أو الضبط، بل تتجه بثبات نحو لحظة تتلاشى فيها الفوارق بين كلفة التراجع وكلفة الاستمرار، وهي اللحظة التي تدخل فيها الحروب طورها الأخطر، حيث لا يعود القرار قرار تهدئة، بل قرار بقاء أو كسر إرادة.

تصعيد أمريكي إسرائيلي 

التصعيد الأمريكي – الإسر ائيلي بضرب حقل غاز لا يمكن قراءته كعملية عسكرية إضافية، بل كنقلة استراتيجية تنقل الحرب من المجال العسكري التقليدي إلى البنية الاقتصادية الحيوية لإيران.

ضرب حقول الغاز أو الطاقة يعني استهداف القدرة على الصمود الطويل، لأن الطاقة هي شريان الاقتصاد والدولة معاً. وهي بالفعل رسالة واضحة مفادها أن الهدف لم يعد مجرد الضغط العسكري بل تقويض قدرة إيران على الصمود الطويل.

الرهان على الحسم 

هذه النقلة تكشف أن واشنطن وتل أبيب لم تعودا تراهنان على حسم عسكري سريع، بل على إعادة تشكيل بيئة الصراع عبر الضغط المركب: عسكري واقتصادي ونفسي، بحيث تصل إيران إلى لحظة ترى فيها أن قبول وقف إطلاق النار، بشروط مختلةـ أقل كلفة من الاستمرار في المواجهة.

في المقابل، موقف طهران الصامد والرافض لوقف الحرب وفق المعادلة المطروحة ـ أي وقف القتال الآن ثم استئنافه لاحقاً في ظروف أفضل لواشنطن وتل أبيب ـ يكشف عن أن القيادة الإيرانية لا تنظر إلى الحرب بوصفها جولة عسكرية عابرة، بل محاولة لكسر الإرادة وفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة.

لذلك فالاستراتيجية الإيرانية تحرص على تثبيت معادلة مختلفة: أن نهاية الحرب يجب أن تُنتج توازناً جديداً لا هدنة مؤقتة تمهّد لجولة أخرى.

بهذا المعنى نحن أمام منطقين متصادمين

الأول: منطق أمريكي-إسرائيلي يقوم على التصعيد التدريجي المتواصل لإجبار إيران على القبول بوقف إطلاق نار بشروط تُضعف قدراتها الاستراتيجية.

والثاني: منطق إيراني يقوم على الصمود وامتصاص الضربات إلى أن يتحول الاستنزاف إلى عامل ضغط على الطرف الآخر أو على البيئة الإقليمية المحيطة به.

المعادلة الصفرية 

عندما تصل الحروب إلى هذا المستوى من التصلب، حينها تتجه المعارك إلى المعادلة الصفرية،
تصبح كل خطوة تصعيدية بمثابة كسرٍ لخط أحمر جديد: من ضرب قواعد، إلى ضرب منشآت استراتيجية، وربما لاحقاً إلى توسيع مسرح الحرب في المنطقة.

لهذا فإن ما يجري الآن لا ينبغي فهمه كسلسلة أحداث متفرقة، بل كمسار تصاعدي لصراع إرادات مفتوح، لن تحدد نتائجه شكل العلاقة بين إيران وخصومها فحسب، بل ملامح التوازن الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.

في مثل هذه الحروب، لا يكون السؤال من يربح جولة، بل من ينجح في فرض مضمون النهاية.

شارك المقال: