مبارك بين إرث السادات ومأزق التوريث
ظل نظام مبارك قائمًا لعقود على معادلة دقيقة: استقرار أمني، وتحالفات خارجية مستقرة، وجهاز بيروقراطي ضخم، ونخبة اقتصادية صاعدة. لكن هذه المعادلة بدأت تهتز مع الصعود السياسي لجمال مبارك منذ مطلع الألفية

حسني مبارك عرف عنه عدم محبة القراءة خاصة التاريخ
يمثل عهد الرئيس حسني مبارك أحد أكثر الفترات تعقيدًا في التاريخ السياسي الحديث لمصر، ليس فقط بسبب ما شهده من تحولات داخلية وخارجية، بل لأنه جاء بوصفه المرحلة التي اكتمل فيها مسار تاريخي طويل بدأ قبل وصول مبارك إلى الحكم بسنوات، وربما بعقود.
مصر قبل مبارك
لم يكن حكم مبارك لحظة تأسيس بقدر ما كان لحظة تثبيت، ولم يكن مبارك هو صانع التحول بقدر ما كان حاصد نتائجه. ولذلك فإن فهم عهده يقتضي بالضرورة العودة إلى السياق الذي سبق وصوله إلى السلطة، أي إلى المرحلة التي أعقبت رحيل جمال عبد الناصر وصعود خلفه أنور السادات.
لقد ترك عبد الناصر وراءه دولةً ذات ملامح واضحة: دولة مركزية قوية، وقطاعًا عامًا واسعًا، ومشروع تصنيع وطني في طور النمو، وشبكة حماية اجتماعية معتبرة، ودورًا إقليميًا نشطًا يستند إلى خطاب الاستقلال الوطني والتحرر من الهيمنة الأجنبية.
صحيح أن هزيمة عام 1967 أحدثت شرخًا عميقًا في هذا المشروع، لكنها لم تُنهِه؛ إذ بقيت مؤسساته وبنيته الاجتماعية والسياسية قائمة، وهو ما جعل مهمة السادات بالغة الصعوبة.
فلم يكن السادات راغبًا في الاستمرار في المسار نفسه، كما لم يكن قادرًا على تفكيكه دفعة واحدة من دون مخاطر انفجار اجتماعي أو انقلاب عسكري.

من هنا جاء خيار التفكيك التدريجي، وهو خيار واعٍ لا عفوي
بدأ السادات بالسياسة؛ لأن السيطرة على قمة السلطة شرطٌ لأي تحول لاحق.
في مايو 1971 جرت عملية إقصاء واسعة لرموز المرحلة الناصرية داخل الدولة، وهي الخطوة التي أُطلق عليها اسم «ثورة التصحيح». ولم تكن المسألة مجرد صراع أجنحة، بل كانت إعادة تشكيل شاملة لبنية الحكم تمهيدًا لتحول استراتيجي قادم.
اقتصاديًا، أطلق السادات سياسة الانفتاح، التي قُدِّمت بوصفها انتقالًا إلى اقتصاد السوق، لكنها في التطبيق اتخذت طابعًا استهلاكيًا أكثر من كونها إنتاجيًا. جرى فتح الباب للاستيراد والتجارة والسمسرة، بينما أُهملت القاعدة الصناعية التي بناها عبد الناصر.
وبدل نشوء رأسمالية وطنية صناعية، ظهرت طبقة من الوسطاء المرتبطين بالتجارة والخدمات والعمولات، ما أدى تدريجيًا إلى إضعاف الاقتصاد الإنتاجي وتكريس نمط ريعي يعتمد على التدفقات الخارجية.
أما في السياسة الخارجية، فقد كان التحول أكثر جذرية.
انتقلت مصر من موقع الصدام مع إسرائيل إلى مسار التسوية، ومن خطاب الاستقلال الوطني إلى التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، ومن الانخراط في مشروع عربي تحرري إلى التقارب مع الممالك النفطية المحافظة. ولم يكن ذلك مجرد تغيير تكتيكي، بل إعادة تموضع استراتيجية كاملة للدولة المصرية داخل النظامين الإقليمي والدولي. وقد تُوِّج هذا المسار بتوقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي أعادت رسم موقع مصر في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية.
وكان تعامل السادات مع التيار الإسلامي جزءًا أصيلًا من هذه الاستراتيجية لإعادة تشكيل المجال السياسي بعد رحيل عبد الناصر، فقد أدرك أن التيارات الناصرية واليسارية تمثل التهديد الأكبر لسلطته لذا فتح المجال أمام عودة النشاط الاجتماعي والدعوي لجماعة الإخوان المسلمين، وأتاح مساحة أوسع للحركات الإسلامية داخل الجامعات والنقابات والمجتمع، في إطار معادلة غير مكتوبة تقوم على السماح بالنشاط مقابل الابتعاد عن الصدام المباشر مع الدولة.
نهاية درامية للسادات
ولم يقتصر الأمر على مجرد السماح بالحركة، بل أدى هذا الانفتاح إلى تغلغل الجماعة تدريجيًا في مفاصل المجتمع، مستفيدة من المناخ السياسي الجديد ومن غياب المنافسة المنظمة بعد إضعاف التيارات المدنية.
لم يكن الهدف تمكين الإسلاميين بقدر ما كان استخدامهم قوةً موازنة تُضعف خصومه الأيديولوجيين، لكن هذه السياسة أسهمت في إعادة تشكيل المجال العام دينيًا، وأطلقت ديناميات اجتماعية وسياسية تجاوزت لاحقًا قدرة السلطة على التحكم الكامل فيها.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تصاعد التيارات الجهادية في أواخر السبعينيات، قبل أن تنتهي هذه المرحلة بصورة درامية باغتيال السادات نفسه عام 1981 على يد عناصر خرجت من البيئة الإسلامية الراديكالية التي منحها قبلة الحياة، واستخدمها في تكتيكاته السياسية.
هذا التحول في السياسة المصرية لم يأتِ في سياق إقليمي عادي؛ فقد أعقبت حرب أكتوبر 1973 تحولات كبرى على المستويين الاقتصادي والسياسي في المنطقة، أبرزها الطفرة النفطية الهائلة التي نقلت مركز الثقل الاقتصادي العربي إلى دول الخليج. وهذه الثروة لم تكن نتاج مشروعات إنتاجية أو تطوير صناعي مستدام، بل جاءت نتيجة ارتفاع أسعار مورد طبيعي هو النفط، مما خلق فجوة مالية ضخمة بين الدول المصدرة له ودول إقليمية أخرى تعتمد على اقتصاد تقليدي.

ومع ذلك، جرى تقديم هذا النموذج الريعي بوصفه نموذج النجاح العربي الذي يُحتذى به، رغم أنه لم يرافقه بناء اقتصادي داخلي قوي. وجدت مصر نفسها أمام معادلة جديدة: دولة كثيفة السكان ذات موارد محدودة، في إقليم تهيمن عليه دول قليلة السكان لكنها تمتلك فوائض مالية ضخمة، قادرة على الاستثمار الخارجي ودعم مشروعاتها الكبرى من دون الاعتماد على الإنتاج المحلي.
قرر السادات دمج مصر داخل هذا النظام الإقليمي الجديد، وجاء مبارك ليحوّل هذا الخيار إلى قاعدة ثابتة في إدارة الدولة. وخلال عهده أصبح الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على مصادر الريع: عائدات قناة السويس، والسياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، والمعونات الخارجية. وفي المقابل، تغيّر وعي المجتمع تدريجيًا نحو ثقافة استهلاكية ترى في الثروة السريعة معيارًا للنجاح.
هنا تتضح طبيعة الدور الذي أداه مبارك
لم يكن صاحب رؤية اقتصادية أو أيديولوجية كبرى، بل كان إداريًا محافظًا يسعى إلى الاستقرار قبل أي شيء. شخصيته الهادئة والبيروقراطية جعلته مناسبًا لتحويل اختيارات السادات إلى بنية دائمة. في عهده خرجت الأسئلة الاستراتيجية الكبرى من المجال العام، وتحولت السياسة إلى إدارة أمنية، وتحولت الدولة إلى جهاز ضبط اجتماعي يحافظ على التوازنات أكثر مما يصنع التحولات.
اقتصاديًا، استُكمل تفكيك القطاع العام بصورة تدريجية لتجنب الصدمات الاجتماعية، وتوسعت الخصخصة، وازداد نفوذ رجال الأعمال، وحدث تزاوج واضح بين السلطة والثروة.
لم يحدث انفجار اجتماعي؛ لأن الدولة حافظت على حد أدنى من الدعم والخدمات، لكن التفاوت الاجتماعي كان يتسع بصمت، كما ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب، واتسعت الفجوة بين الحضر والريف، وبين الطبقات العليا والشرائح الوسطى والدنيا.
وفي السياسة الخارجية، اتسم عهد مبارك بالثبات الحذر. فقد حافظ على الالتزام الكامل باتفاق السلام مع إسرائيل، وعمّق الشراكة مع الولايات المتحدة، لكنه لم يسعَ إلى صياغة مشروع إقليمي مستقل.
تحولت مصر من دولة تصنع التوازنات إلى دولة تديرها، وغاب الطموح الاستراتيجي طويل المدى، وتراجع الحضور الإفريقي، وانحصر الدور في الوساطة وإدارة الأزمات.
مبارك والتيار الإسلامي
أما العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي عمومًا، فقد كانت أحد أعمدة إدارة الحكم في عهد مبارك، ورث مبارك عن السادات سياسة مزدوجة في التعامل مع الإسلام السياسي: لا استئصال كامل ولا إدماج كامل، تُركت للجماعة مساحة اجتماعية واسعة مكّنتها من بناء شبكات خدمات قوية، بينما ظل المجال السياسي مغلقًا عبر القمع القانوني والأمني.
وخلال هذه المرحلة لم تعد الجماعة مجرد قوة اجتماعية منتشرة، بل تطورت شبكاتها التنظيمية والاقتصادية والخدمية إلى ما يشبه «دولة موازية» داخل المجتمع، تقدم خدمات تعليمية وصحية وخيرية، وتمتلك موارد اقتصادية وشبكات ولاء واسعة، مستفيدة من المساحات التي تركها لها النظام في مقابل بقائها خارج الشرعية السياسية الكاملة.
تحولت الجماعة إلى عنصر في معادلة داخلية وخارجية: تُستخدم لتبرير القبضة الأمنية داخليًا، ولتقديم النظام خارجيًا باعتباره حاجز استقرار أمام صعود الإسلاميين. ولم يكتفِ النظام بذلك، بل سمح بانتشار التيارات السلفية دعويًا وإعلاميًا قوةً موازنة تُضعف احتكار الإخوان للمجال الديني، وهو أسلوب يعكس إدارةً للتناقضات أكثر مما يعكس حلًا جذريًا.
وكما اغتيل السادات على يد صنائعه من تيار الإسلام السياسي، ساهم الإخوان المسلمون في انتفاضة يناير 2011، وشاركوا – كغيرهم من القوى السياسية والاجتماعية – في تسريع سقوط النظام، وهنا ظهرت مفارقة تاريخية لافتة: التيار الإسلامي الذي استُخدم طويلًا كفزاعة لتبرير استمرار حكم مبارك، كان أحد الفاعلين في لحظة نهايته.
وبذلك يتضح أن إدارة التناقضات عبر توظيف الخصوم قد تمنح السلطة وقتًا، لكنها لا تمنحها حصانة دائمة؛ فالقوى التي تُستخدم أداةً في مرحلة قد تتحول إلى شريك في تغيير المعادلة في مرحلة أخرى.
أعمدة نظام مبارك
ظل نظام مبارك قائمًا لعقود على معادلة دقيقة: استقرار أمني، وتحالفات خارجية مستقرة، وجهاز بيروقراطي ضخم، ونخبة اقتصادية صاعدة. لكن هذه المعادلة بدأت تهتز مع الصعود السياسي لجمال مبارك منذ مطلع الألفية، خاصة بعد تشكيل حكومة عام 2004 ذات التوجه الاقتصادي الليبرالي الواضح.
لم يكن الأمر مجرد دور سياسي لابن الرئيس، بل إعادة تشكيل لمراكز القوة داخل الدولة، مع صعود جيل من رجال الأعمال والتكنوقراط المرتبطين به داخل الحزب الوطني الديمقراطي.
وهنا ظهرت المعضلة الجوهرية في مشروع التوريث؛ فصعود جمال مبارك داخل النظام لم يكن قائمًا على مسار سياسي تقليدي أو خبرة مؤسسية ممتدة داخل أجهزة الدولة، بل على حقيقة بسيطة مفادها أن أقوى مؤهلاته كانت كونه ابن الرئيس.
الوريث جمال
فغياب التاريخ السياسي المستقل، وعدم المرور بتدرج داخل المؤسسة العسكرية أو البيروقراطية السيادية، جعل مشروع انتقال السلطة إليه يبدو – في نظر قطاعات واسعة داخل الدولة والمجتمع – انتقالًا عائليًا أكثر منه انتقالًا سياسيًا طبيعيًا. وقد عمّق ذلك الشكوك داخل مؤسسات القوة في الدولة العميقة، وأضعف فرص حصول المشروع على الشرعية المؤسسية اللازمة لاستمراره.

تصدع بنية الحكم
هنا حدث صدع عميق داخل بنية الحكم؛ فالنظام الذي قام منذ 23 يوليو 1952 على شرعية المؤسسة العسكرية كان يواجه احتمال انتقال السلطة إلى مدني لم يمر عبر هذه المؤسسة. كما أن توسع نفوذ رجال المال المرتبطين بمشروع التوريث أثار مخاوف من انتقال القرار السياسي إلى شبكات مصالح ضيقة، على حساب التوازن التقليدي بين مؤسسات الدولة.
لم يكن الرفض معلنًا، لكنه كان حاضرًا. ومع الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع التفاوت الاجتماعي، بدا التناقض أكثر حدة: مشروع توريث في مجتمع يعاني انسدادًا سياسيًا وأزمات اقتصادية متراكمة. اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين رأس النظام وبعض مؤسساته، وأصبح التوازن هشًا.

وعندما اندلعت انتفاضة يناير 2011، لم يكن النظام يواجه المحتجين في الشارع فحسب، بل كان يعاني تآكلًا داخليًا في تماسكه.
لم تتحرك مؤسسات القوة لحمايته بالقدر الكافي، فانكشف أن النظام الذي بدا صلبًا لعقود كان منقسمًا حول مستقبله.
وهنا تتضح الحقيقة الأعمق: لم يسقط النظام فقط بسبب الغضب الشعبي، بل لأنه فقد تماسكه الداخلي قبل أن يفقد السيطرة على الشارع. فالأنظمة تنهار من داخلها أولًا، ثم يأتي الشارع ليُعلن النهاية.





