كاتب وكتاب

ماذا أخفى الإمام في جمهورية لأفلاطون؟

لم يُغير الاحتلال والسجن والنفي رغبة الإمام في الاستقلال، ولكنه رأى ما لم يكن قد رآه من مناورات الدول الكبرى، ومن أهمية دور الجماهير شريطة تهيئة الطريق، من هنا تأتي وثيقة المنفى الهادفة إلى تحرير مصر عبر الطريق المدني

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في كتاب من “أوراق الإمام محمد عبده المجهولة

مشروع استقلال مصر”
 بقلم : أحمد سراج

“ألقى فيها حطبًا” هكذا يصف مصطفى عبد الرازق مشاركة الإمام محمد عبده في ثورة عرابي 1881، التي انتهت بالاحتلال، ومحاكمة قادة الثورة بعد سجنهم، ونفيهم وتجريدهم، ومنهم الإمام الذي حكم عليه “بالنفي لثلاث سنوات وعدم العودة إلا بإذن الحكومة” فهل تغير موقفه من سعيه لاستقلال مصر؟ وما الذي فجر هذه القضية الآن؟ وما علاقة هذا بترجمته لجمهورية أفلاطون؟

عن دار الشروق صدر كتاب يكشف عن وثيقة نادرة ومهمة، للدكتور عماد أبو غازي خبير الوثائق والمكتبات، وأستاذ كلية الآداب في جامعة القاهرة، ووزير الثقافة المصري 2011، وللدكتور وليد غالي أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في معهد دراسات حضارات المسلمين بجامعة الأغا خان في المملكة المتحدة، وعضو مجلس إدارة هيئة المخطوطات الإسلامية، والكتاب يتكون من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وتعليقات علمية.

في المقدمة إجابة عن سؤال مهم: كيف وصلت الوثيقة ليد الباحثَين؟ يرجع عمر الوثيقة إلى 1893، وضمن مجموعة “محمد علي أفندي السعودي” (شخص ملازم للإمام فترة طويلة، ويتأكد ذلك للباحثين من خلال وجود صورة شخصية نادرة مع الإمام، ومن أن الإمام هو الباعث الحقيقي لتسجيله مذكراته وتوثيقه رحلة الحج، ومن مضاهاة الخطوط) وفي 2007 اشترى معهد دراسات حضارات المسلمين هذه المجموعة من مزاد سوذبي ) (sothby وقد عمل عليها الباحثان حتى نهاية مارس 2023.

تحتوي المجموعة على مخطوطات بيد الإمام، وكتب نادرة وصورة للسعودي معه، وقد صنفت المخطوطات إلى أوراق مفردة بها جدول عن أحداث فلسطين من 4000 قبل الميلاد، حتى 400 بعد الميلاد، وكراستان الأولى معنونه بـ: (تنوير العقول بتفسير أشياء عقلية)، وبالبحث تبين أنها مسودة لترجمة كتاب تشارلز ديلون (مدخل مبسط للإعداد لدراسة التاريخ)، أما الثانية ففيها ترجمة ثلاثة فصول لكتاب الجمهورية لأفلاطون، ومجموعة أمثال وأشعار ومحاولة لترجمة الأوديسه.

بدأ الباحثون يتحققون من نسبة الأوراق للإمام، وكان ذلك عبر مضاهاة خطوطها بخطوط الأوراق الأخرى التي تأكد أنها بخطه، مثل رسائله المنشورة في أعماله الكاملة، وهنا ظهرت المفاجأة؛ “ففي منتصف الفصل الثاني هناك نص بحبر بلون مغاير، يتضح من عنوانه أنه مشروع لائحة تأسيسية يتبناها الحزب الأهلي لإقامة حكومة وطنية في مصر ويرجع تاريخها إلى سبتمبر 1883”.
تأخذ الفصول منحى تصاعديًّا، يكاد يكون دراميًّا؛ فأولها يبدأ بسؤال: ما سياق الوثيقة؟ وسيندفع كثيرون؛ ليقولوا إنه وقوف عرابي على حصانه ووراءه جنده وشعب مصر أمام الخديوي والإنجليز والفرنسيين، لكن الكتاب يقول لنا عنه: “لحظة الذروة” أما الأصول فترجع إلى يوليه 1795 حين ثار الأهالي ضد المماليك ونجح المشايخ في إرغام قادة المماليك على إجابة مطالبة الشعب، ويتتبع الكتاب مسار الشعور الوطني عبر مسارين؛ العام، والخاص؛ عرابي وتربيته في سياق وطن يتصاعد فيه شعار “مصر للمصريين” حتى في خطابات حكامها كما قال الخديوي سعيد: “حيث إنني أعتبر نفسي مصريًّا وجب عليَّ أن أربي شعب مصر تربية صحيحة… ليستغني بنفسه عن الأجانب” ثم إصداره إلغاء الجزية ولائحة الفلاح.

د. عماد الدين أبو غازي

هذه النزعة الاستقلالية لدى الحكام تضافرت مع كتابات الرواد كالطهطاوي، وواكب ذلك حرك ثقافي للمصريين والشوام الفارين إليها، ومع إصلاحات إسماعيل ونكباته، وبين تأسيسه مجلس شورى النواب وإذعانه للأجانب، تصاعد الشعور الوطني ودخل في صدامات متعددة منها رفض النواب قرار فض مجلسهم إلا بعد إكمال أعماله، بل وتصاعدت المقاومة حتى أقال إسماعيل ابنه من رئاسة الوزراء، وقبل باللائحة الوطنية، وهذا مما جعل الإنجليز يتدخلون ويعزلونه ويولون ابنه لتتصاعد الأزمة وتصل إلى مشهد الذروة.

مع نجاح الثورة شكل شريف باشا وزارته، وتنامت السلطة الشعبية لعرابي وظهر الحزب الوطني الأهلي، وظهر دستور مصر الأول 1882، لكن الانشقاقات تفاقمت فاستقال شريف وتآمر الخديوي مع الإنجليز، ثم كانت الحرب التي حسمتها الخيانة، وحداثة السلاح الإنجليزي، وأخطاء عرابي ومنها: انسحابه من الإسكندرية وعدم سد قناة السويس، والتردد في عزل توفيق وإعلان الجمهورية، وانعكس هذا على لائحة الإمام كما يرى الباحثان.
في الفصل الثالث نقترب خطوة جديدة فنجد تحليلاً للحياة السياسية والأحداث التي شكلت الإمام، وقد سبق بعضها ولادته ومنها تشريد عائلته وكثرة الضرائب والسخرة. أما طريقة تعليمه ومقاومته لها ومحاولة إصلاحها فقد أخذت شطرًا كبيرًا من حياته، ولعل لقاء بالأفغاني نقطة تحول كبرى في حياته، أما علاقته بالثورة العرابية؛ فهي تتراوح بين التأثير والتأثر؛ فكتاباته من بواعثها، ونقده لها ودعوته للضباط بالاهتمام بالأمة من موجهاتها، وعندما نفذوا ما أشار به “أضحى المعبر الفكري عن أيدولوجيتها” لكن ما الذي غير توجه الإمام الإصلاحي إلى الثورة؟ يضع الباحثان أيديهما على الأسباب المهمة ومنها؛ ما قاله توفيق بأنه ورث المصريين، ومنها أن متغيرات الثورة وضعت المصريين في مركب واحد؛ المطالبة بالاستقلال.

لم يُغير الاحتلال والسجن والنفي رغبة الإمام في الاستقلال، ولكنه رأى ما لم يكن قد رآه من مناورات الدول الكبرى، ومن أهمية دور الجماهير شريطة تهيئة الطريق، من هنا تأتي وثيقة المنفى الهادفة إلى تحرير مصر عبر الطريق المدني.

في الفصل الرابع يتناول الباحثان بالعرض والتحليل وثيقة 1883، ومطلبها: إعادة حكومة أهلية إلى البلاد، وتتكون من عشر مواد، تطرح حلولاً للمشكلات الكبرى؛ خروج الاحتلال، التبعية للسلطنة العثمانية، إدارة البلاد ودور الحزب، الديون الأجنبية، قناة السويس، السودان، فيما تتضمن المادة العاشرة أحد عشر بندًا لإصلاح الحياة الداخلية من تصفية ديون الفلاحين وإلغاء الرق وإنشاء المدارس والمساواة.

ماذا تمثل الوثيقة؟ في الخاتمة يجيب الباحثان بأنها أبلغ رد على هزيمة الروح المصرية، فلقد استمر الجهاد مع التعلم من الأخطاء، وكان نتاج هذا ثورة 1919 التي حققت لمصر الاعتراف الدولي بأنها دولة مستقلة، وقائد الثورة تلميذ الإمام.

أحمد سراج شاعر وأعلامي
شارك المقال: