تقارير
جوليان بويسو
جوليان بويسو

صحيفة لو موند الفرنسية

” لو موند: الحرب تضغط على اقتصادات الخليج وتدفعها نحو ركود حاد

تتجه اقتصادات دول الخليج نحو مرحلة حرجة في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، حيث تهدد التوترات في مضيق هرمز بتعطيل إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ويكشف تقرير لصحيفة "لو موند" الفرنسية عن مؤشرات مقلقة لانكماش اقتصادي حاد قد يضرب المنطقة خلال عام 2026، وسط تراجع إنتاج النفط واضطراب سلاسل الإمداد.

مشاركة:
حجم الخط:

اختناق تدريجي 

كشفت صحيفة لو موند الفرنسية، في تقرير تحليلي للكاتب جوليان بويسو، عن تداعيات اقتصادية متسارعة للحرب الدائرة في الشرق الأوسط، محذّرة من أن التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية الحيوية تُدخل اقتصادات دول الخليج في مرحلة “اختناق تدريجي”.

وأوضح التقرير أن تصاعد استهداف ناقلات النفط والمنشآت المالية وشركات التكنولوجيا، إلى جانب التهديدات الإيرانية بضرب “المراكز الاقتصادية والبنوك”، يزيد من الضغوط على اقتصادات المنطقة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز.

الطاقة 30% من الناتج المحلي للخليج 

ورغم جهود التنويع الاقتصادي خلال السنوات الماضية، لا تزال المحروقات تمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج، وما بين 50% و85% من إيراداتها الحكومية، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في صادرات النفط والغاز.

وبحسب تقديرات بنك “غولدمان ساكس”، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى نهاية أبريل قد يؤدي إلى تراجع حاد في إنتاج النفط خلال عام 2026، يصل إلى 25% في كل من قطر والكويت والبحرين، باعتبارها الأكثر اعتماداً على المضيق، مقابل انخفاض أقل في السعودية (12%) والإمارات (16%)، نظراً لامتلاكهما بدائل تصدير جزئية.

تعطيل سلاسل الإنتاج الصناعي 

ويشير التقرير إلى أن الهجمات على منشآت الطاقة، بما في ذلك المصافي، أدت إلى تعطيل سلاسل الإنتاج الصناعي المرتبطة بالهيدروكربونات. ففي قطر، على سبيل المثال، اضطرت شركة “قطر للطاقة” إلى تعليق إنتاج الألومنيوم والبوليمرات والميثانول عقب إغلاق مواقع رئيسية إثر هجمات مطلع مارس، ما يعكس اتساع تأثير الأزمة إلى قطاعات صناعية متعددة.

كما لم تفلح قطاعات التنويع الاقتصادي، مثل السياحة والطيران والخدمات، في امتصاص الصدمة. إذ تراجعت حركة الطيران بشكل حاد، حيث تعمل شركات الطيران في الإمارات بنحو 45% فقط من طاقتها التشغيلية، مقابل 11% في قطر، بالتزامن مع مغادرة السياح وتراجع الطلب.

وتتوقع “غولدمان ساكس” أن تدخل اقتصادات الخليج في حالة ركود خلال عام 2026، مع انكماش الناتج المحلي بنسبة 14% في الكويت وقطر، و5% في الإمارات، و3% في السعودية، وهو تراجع يفوق من حيث الحدة تداعيات جائحة كوفيد-19.

هوامش مالية قوية 

ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن معظم دول الخليج تمتلك هوامش مالية قوية بفضل صناديقها السيادية ومستويات الدين المنخفضة، ما يمنحها قدرة نسبية على امتصاص الصدمة. وتُعد البحرين الاستثناء الأبرز، إذ تواجه أوضاعاً مالية أكثر هشاشة، مع عجز في الميزانية يبلغ 10% من الناتج المحلي ودين عام يصل إلى 146%، في ظل توقف شبه كامل لقطاعات رئيسية كإنتاج النفط والألومنيوم.

ولا تقتصر المخاطر على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي، إذ تستورد دول الخليج نحو 85% من احتياجاتها الغذائية. ورغم توفر مخزونات تكفي بين أربعة وستة أشهر، فإن القلق يتزايد من ارتفاع الأسعار واحتمالات الاضطرابات الاجتماعية، ما دفع بعض الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لضبط الأسواق.

اغلاق المضيق يعيد تشكيل الخريطة اللوجستية 

وفي سياق موازٍ، يُسهم إغلاق مضيق هرمز في إعادة تشكيل الخريطة اللوجستية للمنطقة، مع صعود السعودية وعُمان كممرين بديلين للتجارة. فبينما تعزز عُمان موقعها كمركز للتخزين وإعادة التصدير بفضل موانئها المتصلة بآسيا وأفريقيا، تسعى السعودية إلى ترسيخ دورها كمحور لوجستي عبر تطوير بنيتها التحتية وربط الموانئ بشبكات نقل برية.

ويرى خبراء أن الأزمة قد تُسرّع مشاريع التكامل الإقليمي، وعلى رأسها مشروع سكة حديد الخليج، الذي يهدف إلى ربط دول المجلس بشبكة تمتد لأكثر من 2000 كيلومتر بحلول 2030، رغم استمرار هيمنة النقل البحري على نحو 80% من حركة التجارة في المنطقة.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز لا يهدد فقط تدفقات الطاقة، بل يضع اقتصادات الخليج أمام اختبار مركّب يمسّ النمو والاستقرار المالي والأمن الغذائي في آن واحد.

 

شارك المقال: