لماذا تكتفي روسيا بإدانة ضربات إيران؟ حسابات الكرملين
المسار المستقبلي للعلاقة بين موسكو وطهران سيعتمد على مآلات الصراع الحالي. فإذا استمر النظام الإيراني، فمن المرجح أن يتمسك بتحالفه مع روسيا، خصوصاً في ظل امتلاك موسكو حق النقض في مجلس الأمن الدولي.

نشر موقع دويتشه فيله الألماني تقريرًا عن العلاقات الروسية الإيرانية قالت فيه إنه في ظل تصاعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تتجه الأنظار إلى موسكو: لماذا لا تتحرك روسيا عملياً لدعم حليفها الاستراتيجي؟ ورغم الإدانة الرسمية التي عبّر عنها مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبنزيا، واصفاً الهجمات بأنها “عدوان مسلح غير مبرر على دولة ذات سيادة”، فإن الموقف الروسي ظل حتى الآن في إطار التصريحات السياسية دون خطوات عسكرية أو استراتيجية ملموسة.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحالف الروسي الإيراني وحدوده الفعلية في لحظات الاختبار.
شراكة استراتيجية قائمة على المصالح
العلاقة بين موسكو وطهران ليست تحالفاً أيديولوجياً، بل شراكة براغماتية تقوم على تقاطع المصالح، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية المفروضة على البلدين.
اقتصادياً، تمثل إيران محوراً أساسياً في مشروع “ممر النقل الشمالي–الجنوبي”، الذي يمتد لنحو 7200 كيلومتر، ويعد شرياناً تجارياً بديلاً لروسيا بعد العقوبات التي أعقبت حرب أوكرانيا عام 2022. وقد اكتمل نحو 75% من هذا المشروع، ما يعزز أهميته الاستراتيجية لموسكو.
عسكرياً، زوّدت إيران روسيا بطائرات مسيّرة من طراز “شاهد” منذ عام 2023، لعبت دوراً مؤثراً في الحرب الأوكرانية، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية والذخائر.
ويرى خبراء أن العلاقة بين البلدين تستند إلى “واقعية سياسية” بحتة، حيث يشترك الطرفان في مواجهة الضغوط الغربية. كما يشير باحثون في مراكز دراسات أوروبية إلى أن طهران أصبحت مرجعاً لموسكو في آليات الالتفاف على العقوبات، مستفيدة من خبرتها الطويلة في هذا المجال.
لماذا لا تتدخل روسيا عسكرياً؟
رغم هذا التقارب، يجمع محللون على أن روسيا لن تدخل عسكرياً في المواجهة الدائرة. فالعلاقة بين البلدين لا ترتقي إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم.
كما أن موسكو تحافظ على توازن حساس في علاقاتها الإقليمية، بما في ذلك تفاهمات غير معلنة مع إسرائيل، ما يجعلها حريصة على عدم الانخراط في صدام مباشر قد يفتح جبهات إضافية.
وتشير تقديرات أكاديمية إلى أن القيادة الإيرانية نفسها لم تكن تعوّل على تدخل عسكري روسي مباشر، وإن كانت تأمل في دعم سياسي وتقني أكبر. وقد سبق للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد أن وجّه انتقادات لروسيا، معتبراً أنها “لم تكن شريكاً موثوقاً بالكامل”. كما أقرّ الرئيس الحالي مسعود بزشكيان بعد حرب يونيو 2025 بأن بعض الدول التي اعتُبرت صديقة “لم تقدّم العون الكافي في وقت الحرب”.
مكاسب موسكو من استمرار التصعيد
على المدى القصير، قد تحقق روسيا بعض المكاسب غير المباشرة من استمرار الأزمة:
تشتيت الاهتمام الدولي عن أوكرانيا: انشغال واشنطن بتطورات الشرق الأوسط يخفف الضغط السياسي والإعلامي عن الجبهة الأوكرانية.
ارتفاع أسعار الطاقة: إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ما ينعكس إيجاباً على عائدات روسيا كأحد كبار مصدري الطاقة.
لكن هذه المكاسب تظل هشة ومؤقتة.
الخسارة الاستراتيجية المحتملة
في حال تعرض النظام الإيراني لانتكاسة كبرى، فإن ذلك سيشكل ضربة لمشروع موسكو الرامي إلى بناء محور مضاد للهيمنة الغربية يضم دولاً كإيران والصين وسوريا.
فقدان طهران سيضعف نفوذ روسيا في محيطها الأوراسي ويقوض صورة موسكو كقوة عظمى قادرة على حماية شركائها. كما سيعيد رسم موازين القوى الإقليمية بطريقة قد لا تصب في مصلحة الكرملين.
مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية
المسار المستقبلي للعلاقة بين موسكو وطهران سيعتمد على مآلات الصراع الحالي. فإذا استمر النظام الإيراني، فمن المرجح أن يتمسك بتحالفه مع روسيا، خصوصاً في ظل امتلاك موسكو حق النقض في مجلس الأمن الدولي.
أما في حال حدوث تغيير سياسي داخلي في إيران، فمن المتوقع أن تسعى روسيا إلى إعادة تموضع سريع، والتفاوض مع أي سلطة جديدة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
في المحصلة، تكشف الأزمة الراهنة أن الشراكة الروسية الإيرانية، رغم عمقها، تبقى محكومة بحسابات المصالح الباردة، لا بروابط التحالف الصلب. وبين المكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل والخسائر الجيوسياسية المحتملة، تواصل موسكو مراقبة المشهد من موقع الحذر، فيما تواجه طهران واحدة من أكثر لحظاتها تعقيداً.
“إذا استمرت الحرب لأشهر، قد تجد موسكو نفسها أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق.”
رابط المقال المختصر:





