تقارير

لغز الـ 50 صفحة في ملفات إبستين ؟

الوثائق المفقودة، التي توصف بأنها "شديدة الحساسية"، يُعتقد أنها تخفي بين طياتها تفاصيل صادمة حول مزاعم باعتداءات جنسية طالت قاصرات، وتبرز من بينها شهادة لامرأة تؤكد تعرضها للتحرش على يد إبستين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي.

مشاركة:
حجم الخط:

واشنطن – تقرير إخباري

في تطور مثير يرجّ أروقة السياسة الأمريكية، لا يزال مصير نحو خمسين صفحة من ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المتعلقة بالملياردير الراحل جيفري إبستين يشكل لغزاً غامضاً. الوثائق المفقودة، التي توصف بأنها “شديدة الحساسية”، يُعتقد أنها تخفي بين طياتها تفاصيل صادمة حول مزاعم باعتداءات جنسية طالت قاصرات، وتبرز من بينها شهادة لامرأة تؤكد تعرضها للتحرش على يد إبستين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي.

رسالة غضب في “حالة الاتحاد” في مشهد رمزي غير مسبوق، وأثناء إلقاء الرئيس ترامب لخطاب “حالة الاتحاد”، جلست مجموعة من ضحايا إبستين على مقربة من السيدة الأولى. لم يكن الحضور عابراً، بل كان رسالة صامتة ومدوية تطالب الإدارة الأمريكية بالوفاء بوعودها وكشف الحقيقة كاملة. وتضامناً معهن، ارتدى عدد من أعضاء الكونغرس شارات تحمل عبارة: “ادعموا الضحايا وأفرجوا عن الملفات”، لتصل حرارة المطالب إلى أعلى هرم السلطة.

صمت رسمي وتحقيقات إعلامية تتحدى التعتيم رغم الضغوط المتصاعدة، يبدو أن وزارة العدل اختارت “الشفافية الانتقائية”. ففي حين واجه الصحفيون وزيرة العدل، بام بوندي، بأسئلة ملحة حول الملفات المفقودة وملايين الوثائق التي لم تُبصر النور، اكتفت الوزيرة بردّ دبلوماسي تجلى في “ابتسامة صامتة”.

لكن الحقيقة تأبى أن تُدفن؛ إذ كشفت تحقيقات استقصائية مشتركة أجرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، وإذاعة “إن بي آر” (NPR)، والصحفي الاستقصائي روجر سولنبرغر، أن الصفحات المفقودة قد تحمل تفاصيل أعمق وأخطر عن علاقة ترامب بالقضية. وما يثير الريبة هو التناقض الصارخ في تعامل السلطات؛ فبينما نُشرت ملفات شخصيات عامة أخرى بالكامل، مثل الأمير أندرو، وبيل كلينتون، وبيل غيتس، لا تزال ملفات ترامب محاطة بالسرية.

تفاصيل “قاسية” واختفاء مريب للأدلة تتمحور الصفحات المفقودة حول أربع مقابلات حساسة أجراها الـ (FBI) عام 2019 مع امرأة أفادت بتعرضها للتحرش بين سن الثالثة عشرة والخامسة عشرة على يد ترامب وإبستين. والمفارقة أن وزارة العدل أفرجت عن مقابلة واحدة فقط، لتتبخر المقابلات الثلاث الأخرى.

وبحسب مذكرة مسربة من مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي تعود لعام 2025، وصفت الضحية ما تعرضت له بأنه لقاء “عنيف وقاسي”. ورغم أن المحققين اعتبروا شهادتها “موثوقة” في البداية، إلا أن سجلات التحقيق صمتت تماماً عما تلا ذلك، ولم يُعرف حتى اللحظة ما إذا كانت السلطات قد اتخذت أي إجراءات بناءً على تلك الشهادة.

هل صُنعت الملفات على مقاس الأقوياء؟ أشعل أعضاء في الكونغرس شرارة شكوك جديدة بعد كشفهم عن وجود أسماء رجال “محجوبة بلا مبرر قانوني” في الوثائق المنشورة، في مقابل نشر معلومات بالغة الحساسية تخص الضحايا. هذا الخلل أثار تساؤلات حارقة نقلها موقع “شبيغل أونلاين” الألماني، حول ما إذا كانت هناك صفقة خفية لـ “حماية الأقوياء”، مما عمّق أزمة الثقة في الإدارة الأمريكية، خاصة مع المماطلة المستمرة في نشر الوثائق.

وتُعد العلاقة بين ترامب وإبستين موثقة بشكل جيد عبر الصور والتصريحات الودية القديمة. ورغم نفي ترامب القاطع لأي سلوك غير لائق، وتأكيده على قطع علاقته بإبستين قبل انكشاف جرائم الأخير، إلا أن الأدلة المرئية والغياب المريب لبعض الوثائق يغذي نظريات تشير إلى احتمال خضوع الملفات لعملية “تنظيف” متأنية لحماية نفوذ شخصيات بارزة.

الضحايا يرفضون الاستسلام في ظل هذا التباطؤ الممنهج، يتصاعد إحباط الضحايا الذين يرون أن العدالة لا تزال سراباً. آني فارمر، إحدى الضحايا اللواتي حضرن خطاب ترامب، أكدت بإصرار أن معركتها مستمرة، معتبرة أن هذا التأخير ليس سوى امتداد لمعاناتهن. آني وشقيقتها ماريا فارمر، اللتان كانتا من أوائل من طرقوا أبواب الشرطة والـ (FBI) في التسعينيات، يصرخان اليوم بأن جبل الجليد لم يظهر منه سوى قمته، وأن أسراراً مدوية لم تُكشف بعد.

ختاماً، تبقى قضية “ملفات إبستين المفقودة” جرحاً مفتوحاً في جسد العدالة الأمريكية، وتمثل اختباراً حقيقياً يفصل بين سطوة النفوذ السياسي ومطالب الشفافية، لتبقى واحدة من أكثر القضايا تشويقاً وغموضاً في الذاكرة الإعلامية والسياسية المعاصرة.

 

شارك المقال: