كيف لي أن انسي عمنا خيري شلبي؟
وعم خيري طول عمره جالس على مصطبته كي يروي حكاياته، فأن أنتهي من حدوته، ترك المصطبة وبدأ يسير وسط دهاليز وحواري وصحاري ومقابر هذا الوطن

خيري شلبي أديب المهمشين
بقلم: محمد مستجاب
الحكاء الذي لم يحكي حكايته
طوبي لعقل كان يسعي لان يتكامل مع الوجدان، ولقلب كان يزرع المقابر بأزهار الريحان، ولكف قادر على فض اشتباك الأجفان، طوبي لطوبة مقبرة وورقة نعنان شاي وحجر معسل ولحسه أفيون وخرقة نمسح بها عرق وجهامة الأيام.
طوبي للمفتون بألف ليلة وليلة وأمنا الغولة والجائعين والباحثين عن وسادة للنوم أو حضن للراحة أو قدم ذاب جلده على أديم الوطن، طوبي لفاتح مندل ودقة الزار ومعصوب العين الذي يري أكثر مما نري نحن المبصرين.
المعلم والفتوة وصديق الغلابة
طوبي لراوي لم يروي روايته ولحكاء لم يحكي حكايته ولأم لم تحكي حدوتتها لأبنائها حتى يناموا ممتلئ البطون بالجوع.
طوبي للمعلم وفتوة الرواية وصاحب الناس الغلابة وفاتح الطريق وصاحب طريقة في القول والكتابة، طوبي لعاشق الموروث الذي سقط في جب الرواية وخرج منها بكل من: موال البيات والنوم وأعيان مصر وصحبة العشاق وفرسان الضحك وغذاء الملكة ولطائف اللطائف، وصالح هيصة ونسف الأدمغة وزهرة الخشخاش ووكالة عطية واسطاسية.
أبن قلين وسيدنا إبراهيم الدسوقي
طوبي لابن قلين حيث يرقد سيدنا إبراهيم الدسوقي والذي يعرف كيف يصطاد الأسماك ويحارب العفاريت ويقود الأوباش للقيام بالفتوحات والغزوات.
الدرويش ومجذوب الموالد
طوبي لدرويش التراث ومجذوب الموالد ومحفة الأموات وأنامل الترُبي وسارق الأفراح، طوبي للذي جعل في بحر الرواية طريقاً واضحاً كالشمس للمهمشيين والمعذبين والأموات.
طوبي لكفن وحجر وزهرة وشجرة سسابان، طوبي للمنتبه لثقافتنا الشعبية وجعلنا نعرف الأرض التي نقف عليها جيدا، وجعلنا نفهم معني الثقافة الشعبية وأرضعنا عناصرها النفسية والعقائدية والاجتماعية.
صاحب الرواية الشعبية الفلسفية
طوبي لوعاء الحكمة والموعظة الحسنة والمعاني الكبيرة ذات الطابع الفلسفي، طوبي لصاحب القريحة الشعبية التي أنتجت روايات وقصص وحققت تراث.
روايات خيري شلبي
طوبي للسان كلب ظل يروي روايته (الشطار) كي نعرف شخصيته ونعايشه ونتابعه في رحلته الدرامية بشغف، طوبي للذي وشّم ودق صدر الرواية العربية بالسنيورة والأوباش والوتد والعراوى وفرعان من الصبار.
طوبي لصاحب بغلة العرش تلك التي نتمنى جميعنا أن نحصل عليها لأنها ليلة القدر، طوبي للذي جعل من لحس العتب ومنامات عم أحمد السماك ووكالة عطية وموت عباءة وبطن البقرة وصهاريج اللؤلؤ ونعناع الجناين أدباً عالمياً نفاخر به الأمم، طوبي للذي كتب أدباً فجعلنا نري جيداً، ونفهم جيداً، ونغوص في واقعنا جيداً.
طوبي للذي حرث الأرض وشق الطريق وأزاح الحواجز وخلع أبواب العقول المغلقة ونظف الأرض من الحشائش الأجنبية والمستنسخة والمقتبسة والمنقولة من آداب آخري، وجعلنا نغوص في تربتنا وحوارينا وازقاتنا وقبورنا.
أبن الحارة والحكايات الشعبية
طوبي للذي أضاء بشخصياته فجعلنا نفهم علاقتنا بالكون وبالخالق وبالحياة، طوبي لصبي ينقر بإبرته الحادة على لوح نحاس في خان الخليلي، ولخياط يرتق كفن في الأمام الشافعي، ولسقا يروي بقربته شفاه المعدمين في أروقه الحسن الشاذلي.
طوبي لكلب العرب المدبوح بعد أن غنينا له أبوح يا أبوح، وأمه وراه بتنوح، طوبي للذي صرخ في وجهي ذات يوم وقال: لو عقلوا لفطنوا كيف يطرد واحد ألفا، هكذا يقول التاريخ للعرب.
وأول كلامنا بسم الرحمن، ونصلي على الهادي المنان، ونقرأ الفاتحة على عمدتنا وزعيمنا وكبيرنا، ونبتهل إلى رب السماوات والأرض أن يغمره برحمته ويعفو عنه ويدخله فسيح جناته.
خيري شلبي عاشق السيرة الهلالية وفواد حداد وبيرم التونسي
خيري شلبي الغارق في السيرة الهلالية وأشعار فؤاد حداد وبيرم التونسي، وصديق ابن عروس وشهريار وطه حسين، والذي شارك في أفراح الأميرة ذات الهمة وست الحسن والجمال وبنت الغول والشخشبان ومعارك الشاطر حس وعلاء الدين وعلى الزيبق، وحارب مع سيف بن سي يزن ضد أمه، وكان في جيش عنترة العبسي ودياب بن غانم.
مستنبط الحكمة وموالها
ذلك الذي كان يستمع لشهرزاد كل ليلة ويعرف مصيبة شهريار وأخيه شهزمان في نسائهما، خيري شلبي الذي استطاع من خلال رواياته وقصصه وحكايته أن يستنبط الحكمة من واقع الحياة اليومية في بناء معماري مدهش وكلمات عامية فصحي فلا تستطيع أن تنفض التراب عنهما.
استطاع أن يطرق الكلمة ويشكلها ويسبكها ويقوم بخلط ( تسيح ) كل ذلك في بوتقة الرواية العربية كي تصل إلى العالمية، لذا كانت كتاباته ضمير الأمة وعينها وروحها المتألمة المتجددة المشتعلة بأوار الحياة وضجيجها.
خيري شلبي واقع حي متجسد في إنسان بسيط صاحب شعور فياض، متدفق، متألم، مدقق في كل كبيرة وصغيرة، يحيي بكلماته وعباراته وجمله، يعشق الحرية والبراح والحواري والأزقة والمقابر والأموات والمعددين ومنابر المساجد.
عاشق الأصالة
لأنه يعشق ويحب الأصالة والمعايشة للواقع، رواياته منبع لفهم الحميمية والمعاناة والحب في قلب الشعب المصري، والسخرية من أحزانه ومصائبه، ذلك لأنه المستحلب رحيق الرحمة من أنفاس المهمشين.
خيري شلبي المفتون بالشيخ أمين الخولى والدكتور عبد الحميد يونس ورشدي صالح وفاروق خورشيد وذكريا الحجاوي، يكتب روايات بلغة تمتد في أغوار الثقافة الشعبية، يشرب من بئرها الفياض، ويستطيع أن يزيح الماء العكر عن أدبائنا وعقولنا.





