مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

كيف قرأ هيكل مبكرًا خريطة الصراع على الطاقة؟

لم يكن حديثه آنذاك استشرافًا بقدر ما كان محاولة لفهم منطق العالم، حيث تتقاطع المصالح وتُرسم الخرائط بعيدًا عن الشعارات. في واحدة من أكثر لحظات المكاشفة قسوة.

مشاركة:
حجم الخط:

من بيروت إلى الخليج

كان الهواء في قاعة نقابة المحامين ببيروت في السابع والعشرين من يونيو عام 1998 محملاً برائحة التبغ والترقب.

خلف المنصة، جلس محمد حسنين هيكل بنظارته الطبية التي تخفي خلفها خرائط العالم.

لم يأتِ ليتحدث عن شوارع بيروت التي لم تلملم جراحها بعد.

الخليج قلب صراع دولي 

 أطلق “قنبلة” فكرية حينها؛ متحدثًا عن الخليج لا بوصفه مجرد إقليم جغرافي، بل باعتباره قلبًا نابضًا لصراع دولي يتشكل حول الطاقة وموازين القوة.

لم يكن حديثه آنذاك استشرافًا بقدر ما كان محاولة لفهم منطق العالم، حيث تتقاطع المصالح وتُرسم الخرائط بعيدًا عن الشعارات.
في واحدة من أكثر لحظات المكاشفة قسوة.

جرح الانكسار العربي 

وضع هيكل يده على جرح الانكسار العربي، مشيراً إلى أن الطريق بين “قلب الأمة” وجناحها الشرقي لم يعد سالكاً بالقيم الكبرى.

لقد وصف هيكل مشهداً تراجيدياً بقوله: “تنازل قلب الأمة عن دوره التاريخي في العلم والثقافة والفنون، وراح يقدم نفسه إلى جناحها الشرقي بائعاً للأمن والحماية، ثم إن الجناح الشرقي تقدم إلى القلب مشترياً”.

هذا التحول من القيمة إلى السلعة أدى -حسب وصفه- إلى تراجع العلاقة من مستواها القومي الشامل إلى المستوى الوطني، ثم العائلي، وصولاً إلى المستوى الشخصي أحياناً.

عقود المقاولة الأمنية

لقد تغيرت طبائع العلاقات منذ السبعينيات.

لتصبح مجرد عقود مقاولة أمنية، غابت عنها روح المشروع العربي
هنا يطرح هيكل رؤية بالغة الخطورة.

منطق السوق يهيمن 

فحين يتحول الجامع القومي إلى صفقات بيع وشراء، فإن قوانين السوق تصبح هي الغالبة.

وبمنطق السوق، فإن من حق المشتري أن يختار من بين المعروض عليه ما يناسبه.
ويضيف هيكل في تشريحه للموقف: “فإذا كانت السلعة هي مجرد الأمن والحماية، فإن الصناعة العربية لها ليست الأكثر إتقاناً والأكفأ أداءً”.

هيكل يؤكد التواجد الأجنبي قديم 

لقد كان هذا التواضع في “جودة المنتج الأمني العربي” هو الذريعة الكبرى والمحرك الأساسي الذي استدعى الأساطيل الأجنبية في البحر والجو لتملأ الفراغ، وتقدم نفسها كـ مورد أكثر كفاءة وقدرة.

على عكس السردية الشائعة، يؤكد هيكل بوضوح أن هذا التواجد الأجنبي في منطقة الخليج تم قبل أن تنشب الحروب الإقليمية (العراقية-الإيرانية أو غزو الكويت).

الحاصل أن حكومات الخليج منذ مطلع السبعينيات آثرت لأسباب مفهومة أن تعهد بأمنها إلى آخرين بدلاً من قلبها العربي.

الخليج يعهد أمنه إلى الغريب 

ويشدد هيكل على ضرورة فض الخلط الشائع؛ فليس صحيحاً أن الخليج عهد بأمنه للغريب بعد تعرضه لتهديد القريب، بل كان خياراً استراتيجياً سابقاً للأزمات.

ينتقل هيكل إلى التحذير الأهم الذي يتخطى حسابات الدفاتر القديمة: إن الأساطيل في البحر والجو، بكل قوتها الضاربة، “تستطيع في لحظة بعينها أن تحمي المواقع والموارد، لكنه ليس في اختصاصها، ولا هو في مقدورها، أن تحمي التوازن الإنساني والهوية وروابط القربى”.

هنا يكمن لب المأساة
 فالأمن المستورد قد يحمي الآبار، لكنه يترك البشر في حالة انكشاف.
حيث تذوب الهوية وتتآكل الروابط التاريخية أمام زحف المصالح الدولية، وهي الحقيقة التي نلمس أثرها اليوم في 2026 أكثر من أي وقت مضى.

لم يتوقف هيكل عند الجغرافيا.

الهزيمة فكرة مستقرة 

حذّر من تحول الهزيمة من واقعة تاريخية إلى فكرة مستقرة في الوعي الجمعي.

فالمشكلة في نظره، ليست في أن تُهزم، بل في أن تعتاد الهزيمة،

أن تتحول إلى مبرر دائم للعجز.

ربط الطاقة بالأمن 

هذا الطرح يفتح باباً لفهم الأزمات بوصفها نتاجاً لتفاعل معقد بين عوامل خارجية وضغوط داخلية، حيث يصبح الجمود نتيجة بقدر ما هو سبب.
قد يرى بعض المحللين اليوم إلى أن تحليل هيكل حول ربط الطاقة بالأمن لا يزال ذا صلة.

معتبرين أن الاعتماد على الحماية الخارجية ظل جزءاً من معادلة المنطقة المعقدة.

يضيف هؤلاء أن ما ميّز طرح هيكل هو ربطه المبكر بين أهمية الخليج ومسألة الأمن، مع الإشارة إلى غياب منظومة أمنية عربية فعّالة، ما أتاح للقوى الدولية أن تلعب دور الضامن.

من جهة أخرى، قد يرى البعض أن تحذير هيكل من فكرة الهزيمة لا يزال حاضراً,

مشيرين إلى أن بعض الخطاب السياسي العربي يستخدم هذه الفكرة لتبرير القيود وإدارة الأزمات بدل أن تكون دافعاً لتجاوزها.

ويؤكدون أن قراءة هيكل لم تكن مجرد تحليل سياسي، بل كانت أيضاً قراءة ثقافية ونفسية للسلوكيات المؤثرة في القرارات العربية،بعد أكثر من ربع قرن.

أسئلة هيكل تعود لتطرح نفسها 

لا تزال الأسئلة التي طرحها هيكل قائمة.

هل يمكن بناء صناعة أمنية إقليمية مستقلة تحمي “الموارد” و”الهوية” معاً؟

هل يمكن لـ “قلب الأمة” أن يستعيد دوره الريادي ليخرج من دائرة “البائع والمشتري”؟

ربما تغيّرت ملامح العالم في 2026.

لكن الخليج لا يزال في قلبه.

وما زالت الصراعات حوله تعكس حقيقة واحدة: أن فهم الماضي.

كما حاول هيكل من شرفة بيروت، هو المفتاح الوحيد لقراءة الحاضر واستشراف ما هو قادم.

شارك المقال: