مقالات

كيف تُدار المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟

إذا أعلنت واشنطن أن اقتراب إيران من العتبة النووية “خط أحمر”، ثم اقتربت طهران دون رد، فإن الرسالة لا تصل إلى إيران فقط، تصل إلى الصين وروسيا وكوريا الشمالية

مشاركة:
حجم الخط:

بين القرار السياسي والمنطق الحسابي!

د. أيمن خالد

كثيرون يتابعون التصريحات الأميركية حول إيران ولا يفهمون: هل نحن أمام حرب قادمة؟ أم مجرد ضغط تفاوضي؟ ولماذا تبدو واشنطن أحيانًا حاسمة جدًا، ثم تعود إلى لغة التهدئة؟

لفهم ذلك، علينا التمييز بين أمرين:
المنطق الحسابي والقرار السياسي.

المنطق الحسابي بسيط:
الحرب مكلفة
أي ضربة لإيران قد ترفع أسعار النفط، تهدد الملاحة في الخليج، تشعل تحركات في العراق ولبنان واليمن، وتربك الاقتصاد العالمي.
من زاوية الأرقام الباردة، الاستنزاف والعقوبات أقل كلفة من الحرب.

لكن القرار السياسي لا يقوم على الكلفة فقط.
يقوم على سؤال مختلف:
ماذا نخسر إذا لم نتحرك؟

إذا أعلنت واشنطن أن اقتراب إيران من العتبة النووية “خط أحمر”، ثم اقتربت طهران دون رد، فإن الرسالة لا تصل إلى إيران فقط، تصل إلى الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وإلى حلفاء واشنطن في الخليج وآسيا. هنا يدخل عنصر الهيبة والردع.

ولكي تتضح الصورة أكثر، دعوني أشرح بمثال تاريخي معروف.

في أزمة كوبا عام 1962، اكتشفت الولايات المتحدة أن الاتحاد السوفياتي نشر صواريخ نووية في كوبا، قريبة جدًا من الأراضي الأميركية. كان أمام الرئيس كينيدي خياران واضحان: قصف الصواريخ فورًا، أو قبول الأمر الواقع. القصف كان قد يعني حربًا نووية. القبول كان يعني انهيار الردع.

فماذا فعل؟
فرض حصارًا بحريًا قويًا.
لم يبدأ حربًا، لكنه لم يتراجع.
ضغط محسوب.
قوة بلا اندفاع.
والنتيجة أن موسكو تراجعت.

هذا المثال يوضح فكرة مهمة:
واشنطن لا تتحرك دائمًا بالحرب، لكنها لا تقبل دائمًا بتآكل الخطوط.

لننتقل إلى مثال آخر.
في عام 1991، عندما غزا العراق الكويت، اعتبرت واشنطن أن أمن الخليج خط أحمر. هنا لم يكن هناك حصار فقط، بل حرب دولية كاملة لإخراج القوات العراقية. لأن الكلفة السياسية للتراجع كانت أكبر من كلفة المواجهة.

في المقابل، عام 2013 أعلن الرئيس أوباما أن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا خط أحمر. وعندما حدث الاستخدام، لم تقع حرب أميركية واسعة، بل تم اللجوء إلى اتفاق سياسي لتفكيك الترسانة. هنا أعيد تفسير الخط بدل تنفيذه عسكريًا. وهذه اللحظة أثارت نقاشًا عالميًا حول مصداقية التهديد الأميركي.

ما معنى كل هذا بالنسبة لإيران اليوم؟

المواجهة الحالية ليست مجرد خلاف حول نسبة تخصيب. هي سؤال أكبر:
هل تعتبر واشنطن أن اقتراب إيران من القدرة النووية تهديدًا وجوديًا؟
أم تهديدًا يمكن احتواؤه بالعقوبات والضغط؟

إذا اعتُبر تهديدًا وجوديًا، فسنرى تحركًا حاسمًا كما حدث في كوبا أو الكويت.
إذا اعتُبر تهديدًا قابلًا للإدارة، فسيستمر الضغط والتفاوض.

إيران من جهتها تراهن على الزمن. تراهن على أن الولايات المتحدة لا تريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط، وأن الضغوط يمكن تحملها. هذا رهان منطقي من زاويتها.

لكن الخطورة تبدأ إذا شعرت واشنطن أن الزمن لم يعد يخدمها، وأن كل شهر إضافي يقرب إيران من قدرة يصعب إيقافها. عندها ينتقل الملف من مرحلة الحساب البارد إلى مرحلة القرار السياسي.

وهنا يجب أن نفهم نقطة أساسية:
حتى لو حدثت ضربة، فلن تكون على الأرجح حرب احتلال كما في 2003. العقيدة الأميركية تغيّرت. الضربة المحتملة ستكون محدودة، تستهدف قدرات محددة لإعادة البرنامج سنوات إلى الوراء، لا لإدارة دولة بأكملها.

الخلاصة التي أريد أن تصل واضحة:
المسألة ليست “هل تحب أميركا الحرب؟”
ولا “هل إيران قوية أم ضعيفة؟”

المسألة هي:
متى ترى واشنطن أن كلفة التراجع أعلى من كلفة المواجهة؟

بين القرار السياسي والمنطق الحسابي تتحدد اللحظة.
إذا رجح الحساب، سنرى استنزافًا طويلًا.
إذا رجح القرار، قد نرى ضربة تغير قواعد اللعبة.

والسؤال الذي يختبر المرحلة كلها ليس عن إيران وحدها، بل عن معنى الخط الأحمر نفسه:
هل يُرسم بالحبر… أم يُثبت بالفعل؟

د. أيمن خالد
أعلامي وباحث في الشؤون السياسية
شارك المقال: