مقالات
قطب العربي
قطب العربي

كاتب صحفي

قطب العربي يكتب: محرقة أحمد دومة التي لا تنتهي

هناك سبب آخر لاعتقال دومة الذي قضى من قبل عشر سنوات في السجن، بخلاف عدة استدعاءات واحتجازات متفرقةقصيرة، ولا أقصد أن هناك سببا مشروعا للاعتقال، ولكن القصد هو البحث عن السبب الخفي

مشاركة:
حجم الخط:

التهمة الجاهزة: نشر أخبار كاذبة 

يوم الخميس الماضي (العاشر من أبريل نيسان 2026) مددت نيابة أمن الدولة حبس الناشط السياسي المصري أحمد دومة لمدة15 يوما على ذمة التحقيق بتهم نشر أخبار كاذبة، الحبس الاحتياطي بهذه التهمة في حذ ذاته مخالفة دستورية، حيث يمنع الدستور المصري الحبس في جرائم النشر( مادة 71)، ويكتفي بعقوبات أخرى، الحبس الاحتياطي نفسه هو تدبير احترازي خشية هروبالمتهم، أو تأثيره على العدالة، وكلا المبررين ينتفيان بالنسبة لأحمد دومة، ففي كل المرات التي جرى استدعاءه للتحقيق سارع بالحضور أمام جهات التحقيق، وهو ممنوع من السفر أساسا فلن يستطيع الهرب خارج مصر، ولو كان يريد ذلك فلم يكن ليعدم حيلة كما فعل نشطاء ومعارضون كثيرون قبله، أما التأثير على العدالة فإن التحقيقات لا تزال في بداياتها لم تحل بعد للمحكمة حتى يمكن التأثير عليها!

إذن هناك سبب آخر لاعتقال دومة الذي قضى من قبل عشر سنوات في السجن، بخلاف عدة استدعاءات واحتجازات متفرقة قصيرة، ولا أقصد أن هناك سببا مشروعا للاعتقال، ولكن القصد هو البحث عن السبب الخفي (الاثم الذي يحيك في صدر السلطة وتخشى أن يطلع عليه الناس) أنه الرغبة المتوحشة في الانتقام، ومحرقة لا تنتهي لشاب لم ينكسر رغم كل ما فعلوه معه، بل خرج من محبسه ليتظاهر مجددا، ويهتف ضد الاستبداد، ويطالب بحرية المعتقلين، ويندد بالعدوان الإسرائيلي على غزة، ويطالب بفتح معبر رفح أمام المساعدات.

تصورت السلطات الأمنية حين وافقت على إطلاق سراحه في عفو رئاسي صوري (شمله بعد أن كان قد انهى محكوميته) أنه تاب وأناب، وأنه سينسى الثورة وأيامها، ورفاق الطريق، وسيهتم بحياته الشخصية، ويرمم علاقاته العائلية، ويبحث عن وظيفة يقتات منها، لكنه خيب ظنهم في كل مرة، وكان صوته مجلجلا بالهتافات المدوية في المظاهرات المحدودة التي نظمها بعض النشطاء

على سلالم نقابة الصحفيين تضامنا مع غزة، أو مع المعتقلين، ومنعت السلطات تكرار تلك المظاهرات بسبب وجود دومه وأمثاله،

فالنظام لا يحتمل مثل تلك المظاهرات التي استدعت هتافات ثورة يناير، وأعادتها إلى مسامع المصريين مجددا، ورغم أن

المظاهرات كانت محدودة العدد إلا أن بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أوصلها إلى الملايين داخل مصر وخارجها

قطب العربي يكتب: لماذا فشلت مشاريع “الناتو” العربي أو الإسلامي؟

ترامب: سندمر الألغام في المضائق

افتتاحية نيو يورك تايمز : نكسات ترامب الأربعة

معتز منصور يكتب: هندسة النجاة لا كسر الهيمنة

مقالات مؤلمة للسلطة 

كما أن المقالات التي نشرها دومة كانت مؤلمة للسلطة ذلك أنها كتبت بمداد القلب قبل القلم، ومنها المقال الذي حبس بسببه مؤخرا، والذي كان عنوانه (من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن)، وكان أحد الأحراز في القضية، وصف فيه دومة السجون بأنها “لم تعد أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت، بل صارت “مؤسسات استئصال وتحييد” خلف الأسوار، وعقليّة حكم استئصالي خارجها، بحقّ المُخالفين والمُعارضين والمُزعجين والمُغايرين، ومن ثمّ بحقّ المجتمع كلّه” ورغم انه لم يكن يقصر كلامه على السجون المصرية بل أضاف إليها سجون تونس وسوريا وفلسطين المحتلة إلا أن جنرالات السجون المصرية تحسسوا رؤوسهم، وظنوا أنهم المقصودون حصرا.

وحذر دومة الأنظمة التي تظنّ أنّها تؤمّن استقرارها بالقبضة الأمنية أنها تقوم بإنتاج جيوش غير مرئيّة من الكراهية العمياء. “فهؤلاء المعتقلون وأسرهم وأصدقاؤهم يمثّلون كتلة بشرية هائلة تُدفع دفعاً نحو الكفر بفكرة الدولة والعقد الاجتماعي والقانون والمؤسسات، كفر باحتمالات العدالة، وبالتالي الحياة. فتدمير النسيج المجتمعي عبر السجن قنبلة موقوتة قد تفوق في أثرها التدميري سقوط قذيفة قرب مفاعل نووي لولا أنّ الأخيرة تتابعها الأعين عبر الشاشات وتصمّ الآذان بصوت انفجارها، أما الأولى، فتحدث بصمتٍ قسريّ وتواطؤ”.

أعتقال دومة والإفراج عن نشطاء 

كان اعتقال دومة في اليوم الذي أفرجت فيه السلطات عن عدد محدود من النشطاء قضوا فترات حبس احتياطي طويلة دون

محاكمة بالمخالفة للقانون، وأرادت السلطة، أو جناح منها تبديد وهم “الانفراجة السياسية”، فالإفراجات المحدودة هي عملية تجميل سياسي لمخاطبة الخارج، وهي لا تتضمن أساسا أسماء من الصفوف الأولى أو الثانية، وفي الوقت نفسه يعاد حبس أسماء وازنة في كل مرة لتذكير المجتمع بأن سيف الاعتقال لا يزال بتارا.

الشماتة في دومة 

لا يزال الكثيرون أسرى أجواء الاستقطاب السياسي عقب ثورة يناير وخلال سنة حكم الرئيس مرسي، وبالتالي فإنهم لا يخفون شماتتهم في حبس أحمد دومة الذي كان أحد وجوه مرحلة الاستقطاب، وارتكب خلالها العديد من الحماقات، وقد دفع ثمن ذلكة ثلث عمره في السجن، كما أنه خرج من السجن أكثر رشدا، وأكثر مواجهة للظلم الذي طال الجميع، ولم يفرق دومة في مواقفه التضامنية بين يساري وإسلامي وليبرالي، فالكل عنده سواء، هتف بالحرية للبلتاجي والكتاتني وعصام سلطان وحسيبة محسوب، وعبد المنعم أبو الفتوح والشيخ حازم أبو إسماعيل، وجهاد الحداد جنبا إلى جنب مع يحيي حسين، وعلاء عبد الفتاح، ومحمد عادل، وهاني صبحي، وصفاء الكوربيجي، وليس من العدل أن يدفع ضريبة طيلة عمره، كما أن النظام الذي يحبس دومة حاليا لا يفعل ذلك عقابا له على مواقفه ضد الرئيس مرسي وأنصاره، بل انتقاما منه كأحد وجوه ثورة يناير، وأحد أقوى الأصوات المناهضة للحكم العسكري، كما أنه أحد أقوى الأصوات الداعمة للمقاومة الفلسطينية وخاصة حماس، وليس من المروءة أو النبل، ولا من رجاحة العقل أن يصطف الغاضبون من دومة مع النظام القمعي في الانتقام منه، لقد تطهر الشاب من خطاياه بثمن باهظ، ومن

كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر.

شارك المقال: