عولمة الآثار واختطاف العراق
تحويل المواقع إلى قواعد عسكرية أو النهب المنظم للقطع الأثرية، هذا التفريق يكشف أن ما يُسمّى بالفوضى العابرة ليس عشوائيًا، بل يمثل خطة استراتيجية لتفكيك الذاكرة الوطنية

تعرضت الأثار العراقية للنهب على يد الأحتلال البريطاني ثم الأمريكي بعد غزو وتدمير العراق
قراءة في كتاب
بقلم:
أحمد رجب شلتوت
يعكس عنوان الكتاب ” عولمة الآثار واختطاف العراق” جوهر رسالة قاسم الأسدي، إذ يجمع بين بعدين مترابطين، أولهما عولمة الآثار، يشير إلى سياسات الهيمنة الدولية على التراث العراقي تحت شعارات بريئة في ظاهرها لكنها في حقيقتها تستهدف تحويل المواقع الأثرية من ملكية وطنية إلى ملكية مفترضة للبشرية، ما يفرض رقابة وتأويلًا خارج سيطرة العراق. الثاني، اختطاف العراق، الذي لا يقتصر على النهب المادي للآثار، بل يشمل السيطرة الرمزية على التاريخ، العنوان بذلك يختصر عملية مزدوجة من الهيمنة الثقافية والسياسية، ويضع القارئ مباشرة أمام حقيقة أن معركة التراث هي معركة وجود وسيادة.
الزحف على التراث
تتلخص أطروحة الكتاب في أن التراث الأثري للعراق لم يعد مجرد مرجع تاريخي يُقرأ فقط، بل أصبح ساحة صراع، وأداة تدخل، ووسيلة شرعنة سياسية. القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بريطانيا، وحتى إسرائيل لم تنظر يوماً إلى آثار العراق كـتراث إنساني مشترك، بل كوسيلة للهيمنة، وإعادة صياغة التاريخ بما يخدم مصالحها. الكتاب يطرح فكرة مركزية، خلاصتها أن السيطرة على التراث هي جزء من مشروع أوسع للسيطرة على الدولة نفسها، مواردها، وسرديتها الوطنية. فالنهب الثقافي هنا ليس عشوائياً، بل استراتيجية متكاملة.
يوزع الدكتور قاسم الأسدي كتابه على جزئين رئيسيين، أولهما ” الاستعمار وآثار العراق”، يقدم فيه استعراضا تاريخيًا وتحليليًا من خلال ثلاث دراسات حالة مركزية، يكشف في الأولى دور المتحف البريطاني في نهب التراث العراقي، فالمتحف البريطاني ليس مجرد مؤسسة علمية، بل كان فاعلاً سياسياً استعماريًا، حيث تُظهر عملية نقل القطع الأثرية أنها ليست ثقافية بحتة، بل تستهدف الاستيلاء والاستحواذ.

وتتناول الدراسة الثانية غيرترود بيل وقانون الآثار، ورغم أن غيرترود بيل شخصية لها إنجازات في تأسيس المتحف الوطني العراقي، لكن عملها خدم أيضًا مشروعاً استعمارياً أوسع عبر التشريع وتنظيم إدارة الآثار بما يخدم مصالح الاحتلال.
أما الدراسة الثالثة فربطت بين النفط والتراث، وأوضحت أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لم كان جزءا رئيسا من استراتيجية متكاملة للسيطرة على الموارد الطبيعية والثقافية فضلا عن بعدها العسكري الواضح.
اليونسكو وسيطا
وبالنسبة للجزء الثاني من الكتاب فقد اختص بنقد ونقض “خطاب التراث العالمي” موضحا حقيقته كأداة ناعمة للتدخل وسلب السيادة، فقام بدراسة توظيف مصطلحات مثل “التراث العالمي” و”الإرث الإنساني” مبينا انها في جوهرها أدوات لغوية لشرعنة التدخلات، وفي هذا السياق يرى قاسم الأسدي أن ربط المواقع الأثرية العراقية بسرديات توراتية أو استشراقية لا يتم في فراغ، بل يجد أحد أخطر تجلياته داخل الأطر المؤسسية الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو، التي تتحول إلى وسيط يمنح هذه السرديات شرعية عالمية.
فحين يُدرج موقع أثري ضمن قوائم “التراث العالمي”، لا يجري تثبيت قيمته المادية فقط، بل يُعاد تثبيت تفسير بعينه لتاريخه، غالبًا ما يكون قد تَشكَّل مسبقًا داخل الأكاديميا الغربية، أو داخل خطاب توراتي– استشراقي قديم.
وهنا يبيّن الأسدي أن مواقع مثل أور وبابل تُقدَّم في الوثائق التعريفية والتقارير الدولية بوصفها “محطات كونية” في تاريخ البشرية، وليس بوصفها تعبيرًا عن سردية وطنية عراقية متصلة. هكذا يُعاد إدراج أور ضمن إطار “أور إبراهيم”، بعيدا عن سياقها السومري المركّب، وتُستدعى بابل عبر خطاب “السبي”، وليس عبر تاريخها بوصفها مركزًا للتشريع والمعرفة والعمران. هذا الاختزال، حين يُدرج في وثائق دولية، يتحول من تأويل قابل للنقاش إلى “حقيقة معيارية” يُعاد إنتاجها في المناهج، والمعارض، والسياحة الثقافية.
يؤكد الأسدي أن خطورة هذا المسار لا تكمن في التعدد التأويلي ذاته، بل في عدم تكافؤ القوة بين التأويلات. فالسردية الوطنية العراقية لا تُمنح الموقع ذاته داخل منظومة اليونسكو، ولا تُعامل باعتبارها مصدرًا معرفيًا مكافئًا، بل كثيرًا ما تُختزل إلى رواية محلية، أو تُطلب منها “الحيادية”، في حين تُقدَّم السرديات التوراتية والاستشراقية بوصفها معرفة علمية راسخة. هكذا تتحول اليونسكو إلى فضاء تُعاد فيه هندسة الذاكرة تحت شعار العالمية، بينما يُفرَّغ المحلي من حقه في تعريف ذاته.

ويمضي الأسدي إلى أن هذا الإطار المؤسسي يسمح بتسييس الآثار على نحو غير مباشر. فحين تُدرج المواقع العراقية ضمن سرديات دينية أو حضارية عابرة للحدود، يصبح من السهل توظيفها في مشاريع دبلوماسية وثقافية تتجاوز العراق، بل وتتناقض مع مصالحه السيادية. وهنا يلتقي خطاب “التراث العالمي” مع سرديات توراتية توسعية، في عملية إعادة رسم رمزية للتاريخ، تُفصل فيها الأرض عن شعبها، والماضي عن حاضره.
هكذا تنحرف اليونسكو عن دورها وتتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة المعرفية، حيث يُدار التراث العراقي وفق معايير خارجية، ويُعاد تفسيره بلغة لا تنتمي إلى سياقه الاجتماعي والتاريخي. ويصبح الدفاع عن الآثار دفاعًا عن حق التأويل قبل أن يكون دفاعًا عن الحجر، وعن السيادة السردية قبل السيادة الإدارية، لذا يشدد قاسم الأسدي على أن استعادة الرواية الوطنية لا يمكن أن تتم خارج نقد هذا الإطار المؤسسي نفسه. فكل حماية للتراث لا تعترف بحق أصحابه في تعريفه وتأويله، تظل حماية منقوصة، بل وقد تتحول إلى شكل جديد من أشكال المصادرة الرمزية، حيث يُحافَظ على الحجر، لكن تُصادَر الذاكرة.
الجغرافيا السياسية للآثار
وإذا كانت اليونسكو تمثل إطارًا مؤسسيًا لإضفاء شرعية دولية على إدارة التراث العراقي، فإن الدور الإسرائيلي يضيف بعدًا آخر للهيمنة الرمزية على التاريخ نفسه. يرى قاسم الأسدي أن السرديات التوراتية والاستشراقية، التي تتحكم في تفسير المواقع الأثرية ضمن إطار التراث العالمي، يتم استغلالها أيضًا ضمن استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد لإعادة رسم الجغرافيا الرمزية للعراق والمنطقة.
فبينما تُحوّل اليونسكو المواقع الأثرية إلى عناصر “تراث إنساني مشترك” يُدار وفق معايير دولية، يعمل المشروع الإسرائيلي على إضفاء سردية تاريخية ودينية توراتية، تجعل من العراق جزءًا من فضاء رمزي يمتد من النيل إلى الفرات، بوصفه امتدادًا للتاريخ التوراتي الذي يُستشهد به لتبرير مصالح سياسية وجغرافية. وبذلك، يتحول التراث من أداة حماية إلى أداة تفاوضية، تُستخدم لإعادة كتابة الماضي بما يخدم مصالح الحاضر، ويُفرغ السردية الوطنية العراقية من محتواها التاريخي والسيادي.
ويشير الأسدي إلى أن هذه الهيمنة الرمزية لا تتم بالاحتلال المباشر فحسب، بل عبر شبكات أكاديمية ومؤتمرات دولية ومعارض، تُعيد إنتاج السرديات التوراتية بوصفها معرفة علمية محايدة، ما يمنحها شرعية دولية ويعطيها نفوذًا على التفسيرات المحلية. في النهاية، تتحول الأرض والماضي إلى ذاكرة قابلة للتأويل خارج سيطرة أصحابها الحقيقيين، ويصبح الدفاع عن التراث العراقي والدفاع عن روايته الوطنية، كما يؤكد الأسدي، جزءًا من مقاومة الهيمنة السياسية والثقافية على حد سواء.
أربعة أركان
يقدم الدكتور قاسم الأسدي تحليلا موضوعيا وعميقا لهذه القضايا، ينهض على أربعة أركان أولها الربط بين النفط والآثار، فالسيطرة على السرد التاريخي تعني السيطرة على الأرض، والسيطرة على الأرض تعني السيطرة على الثروة. المواقع الأثرية مثل أور وبابل تقع فوق أو قرب حقول النفط الغنية، ما يجعلها أهدافاً مزدوجة للذاكرة الوطنية وموارد الاقتصاد الحيوي.
كما أن إدراج المواقع في قائمة التراث العالمي لا يعني حماية فقط، بل يعني أيضا خضوعها لمعايير دولية تحد من حرية الدولة في إدارتها. وهكذا يمكن للغة الرسمية عن الحماية أن تُستغل كغطاء لتدخلات سياسية، وتفرض معايير خارجية أحيانًا تتناقض مع رؤية الدولة والمجتمع المحلي.
أما الركن الثالث فهو عن “التدمير” وهنا يميز الدكتور قاسم الأسدي بين التدمير السلبي متمثلا في الإهمال المتعمد للمتاحف والمواقع خلال الاحتلال، لتركها دون حماية، وبين التدمير الفاعل عن طريق
تحويل المواقع إلى قواعد عسكرية أو النهب المنظم للقطع الأثرية، هذا التفريق يكشف أن ما يُسمّى بالفوضى العابرة ليس عشوائيًا، بل يمثل خطة استراتيجية لتفكيك الذاكرة الوطنية.

وتكتمل أركان التحليل بالحديث عن الاستعمار المعجمي، حيث يبين أن اللغة ليست بريئة، ولكنها في حقيقتها أداة إعادة تشكيل وصياغة الواقع، فمصطلحات مثل الشرق الأدنى، مهد الحضارات، التراث الإنساني، الموقع المهدد، تتيح للغرب فرض وجهة نظره على التاريخ، وتقلص قدرة العراقيين على تفسير تراثهم. هذه المصطلحات تغيّب الرواية الوطنية، وتفرض تبعية ثقافية وأكاديمية. فالمواطن قد يشعر أن التراث ليس ملكًا له، بل “للإنسانية”، مما يضعف الانتماء الوطني، ويصبح البحث الأكاديمي محكومًا بمعايير غربية، مما يزيد من التبعية الثقافية.
مقاومة الهيمنة
ولمقاومة هذا المشروع يقدم الدكتور قاسم الأسدي في كتابه رؤى عملية، مبنيّة على فهم عميق للآليات التي تحوّل المواقع الأثرية من ملكية وطنية إلى أداة للسيطرة الرمزية والسياسية. أول هذه المقترحات يدعو إلى تعزيز السيادة الوطنية على التراث، وإعادة تأكيد الحق العراقي في إدارة وحماية المواقع الأثرية، ووضع قوانين وطنية صارمة تمنع النقل أو التفسير الخارجي للقطع التراثية دون إذن الدولة.
ويقترح كذلك إنشاء شبكة بحثية محلية مستقلة، لدعم الأكاديميين والباحثين العراقيين، وتطوير المؤسسات البحثية والمتحفية المحلية، لتكون قادرة على إنتاج معرفة نقدية مستقلة عن المنظمات الدولية والخبراء الأجانب، كذلك يدعو إلى مواجهة الهيمنة الخطابية والمعجمية، من تفكيك مصطلحات مثل “التراث العالمي” و”الإرث الإنساني المشترك”، وتبني خطاب عراقي أصيل يوضح طبيعة الانتهاك الرمزي للسيادة ويصوغ رواية وطنية للتراث، ويدعو كذلك إلى إنشاء قواعد بيانات رقمية شاملة للآثار العراقية، بما يشمل مواقعها، حالتها، وسردياتها التاريخية الوطنية، لتكون أداة مراقبة ومقاومة ضد النهب المادي والرمزي، يلزم كذلك المشاركة في البرامج الدولية، لكن وفق شروط تحفظ الحقوق السيادية للعراق، وتضمن أن أي دعم دولي لحماية التراث لا يتحول إلى أداة لإضفاء شرعية على الهيمنة الخارجية، ومن المهم كذلك ربط المجتمع المحلي بالتراث التاريخي وتعزيز وعيه بأهمية حماية المواقع الأثرية، بحيث يصبح المواطن شريكًا فعالًا في مقاومة الاختطاف الرمزي والمادي للتراث.

بهذه الإجراءات، يقترح الأسدي تحويل مقاومة الهيمنة على التراث إلى مشروع عملي متكامل، يجمع بين البعد القانوني والسياسي والثقافي والتقني، مؤكدًا أن الدفاع عن الآثار ليس مجرد قضية علمية، بل هو خط دفاع عن السيادة الوطنية والهوية التاريخية.
وأخيرا فالكتاب أقرب إلى قاموس نقدي وموسوعة مفاهيمية، يجمع بين التحليل الأكاديمي المدعوم بمراجع عربية وغربية، الخطاب الوطني الحماسي، السرد الواقعي للنهب والتدمير، الأسلوب قوي، العبارة حادة، والنبرة اتهامية واضحة، ما يجعل الكتاب عملًا مقاومًا بحد ذاته، ويقدم إسهامًا مهمًا في دراسات ما بعد الاستعمار، ويدق ناقوس الخطر لكل أمة تتعرض تراثها للاستيلاء، ولا ينسى اقتراح خطة عملية لاستعادة السيطرة على التاريخ والهوية.





