علاء عوض يكتب: الليلة التي أحرقت محفظة نتنياهو
ما حدث لا يشير إلى نهاية الصراع، بل إلى دخوله مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، بعد تجاوز الخطوط الحمراء و سقوط نظرية ردع نتنياهو؛ فالأمس الاول شهد حرق بنية الطاقة في حيفا

الأسبوع الرابع من حرب ترامب على إيران
يمكن وصف ليلته الأولى بأن السماء كانت تمطر صواريخ في كافة الأرض المحتلة، وإن كانت تل أبيب حظيت بالنصيب الأكبر،
فإن الجحيم الذي حظيت به مدينة ديمونة وعراد في صحراء النقب كان هو الأكثر فتكًا بنظرية الأمن الإسرائيلي؛ فوصول صاروخ لمحيط مفاعل ديمونة جعل إسرائيل
تواجه أخطر لحظة في تاريخها الحديث.
فاستهداف محيط مفاعل ديمونة ليس مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل هو مساس مباشر بجوهر البرنامج النووي الإسرائيلي، وبأكثر المواقع التي كان يُفترض أنها محصنة بشكل مطلق.
ديمونة لم تكن هدفًا عاديًا، بل كانت رمزًا لفكرة “الردع الذي لا يُمس
وضربها يحمل رسالة إيرانية واضحة:
نستطيع الوصول إلى ما اعتقدتم أنه مستحيل
هذه الضربة لا تمثل فقط اختراقًا عسكريًا، بل إهانة عميقة لنظرية الردع الإسرائيلية، التي قامت لعقود على فكرة التفوق المطلق وعدم القابلية للاختراق.
وإذا كان وصول صواريخ إيران لديمونة وتوارد الانباء عن إصابة 6 علماء ذرة صدم نتنياهو
فان الكارثة الاعظم هي التي نزلت كالصاعقة على مدينة عراد لتحرق البنية الأساسية لعقيدة الأمن الإسرائيلي. بشكل تام ومتزامن مع قصف ديمونة مما جعله يصف ليلة أمس بأنها صعبة جدا
عراد هي أهم مدينة علمية عسكرية ومركز لوجستي بشري لمفاعل ديمونة تقع في صحراء النقب ، وهي بُنيت لتكون مقرًا للعلماء الذين يصنعون الرؤوس الحربية النووية الإسرائيلية و أسلحة الدمار الشامل الموجودة خارج نطاق أي معاهدة وأي تفتيش، وحتى طيارو القوات الإسرائيلية الذين يقودون الطائرات التي تُلقي القنابل على غزة ولبنان واليمن وإيران يعيشون هناك.
نتنياهو نفسه الذي اغتال علماء نوويين إيرانيين في حرب يونيو الماضي لم يتحمل الكارثة التي حدثت وتسببت في مقتل أكثر من 100 قتيل وعشرات المصابين في عراد.
بعد أن أُبيد حي سكتي كامل
أرسل بن غفير، أحد مهندسي تلك الحرب، إلى موقع الحادث ليس لاحتواء الغضب، بل لقياس حجم الخسارة الحقيقية:
كم عالمًا نوويًا سقط؟ كم طيارًا خرج من معادلة الحرب على إيران في هذا التوقيت الحرج من المعركة؟ وهل ما زالت آلة الحرب الجوية قادرة على الاستمرار بنفس الوتيرة؟
عراد لم تكن هدفًا عشوائيًا أصابته طهران، بل عقدة مركزية في شبكة قوة الكيان تم التخلص منها. لذلك سمع العالم صراخات توجع نتنياهو
لتمنح تلك الصراخات بداية الأسبوع الرابع للحرب، بداية مثيرة
ستجعله أسبوع حجر الزاوية في تلك الحرب؛ فمن المؤكد أن نتنياهو سوف يتهور بعد تلك الضربة، وربما يفكر الآن في خيار شمشون. لإرسال رسالة لطهران مفادها أن أي محاولة لإنهاء إسرائيل نوويًا ستؤدي إلى كارثة مدمرة على الجميع.
فشمشون في الرواية الدينية الإسرائيلية هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه عندما شعر بالخطر..
على الجانب الآخر، تبدو الرواية الأمريكية في حالة ارتباك واضح.
فبينما أعلن دونالد ترامب سابقًا أنه تم تدمير 8000 هدف إيراني، ضربت إيران موقعًا نوويًا منذ قليل.
لقد انهارت رواية “نحن ننتصر تمامًا مما يجعل تهديده لإيران بفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة حتي تتجنب عواقب تدمير محطات الطاقة محل سخرية .
الخسائر فادحة في ديمونة وعراد فقد بلغ عدد القتلى 106 والجرحى 140 حتى الآن حسب تقديرات بعض مواقع الكيان
لا نهاية قريبة للصراع
وما حدث لا يشير إلى نهاية الصراع، بل إلى دخوله مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، بعد تجاوز الخطوط الحمراء و سقوط نظرية ردع نتنياهو؛ فالأمس الاول شهد حرق بنية الطاقة في حيفا، وليلة امس شهدت ربما سقوط علماء قتلى بعد قصف محيط مفاعل ديمونة وجراد ، بينما ترامب ما زال يبحث عن من يفتح له باب هرمز.
نتنياهو لا شك أنه الآن أدرك أنه محل سخط شعبه، بعد أن قامت سيدة من عراد بطرد بن غفير ليلة أمس قائلة له: أنت نازي، أنت المسؤول عن كل هذا الموت ، اخرج من حياتنا.
هذه الصرخة لم تكن مجرد غضب عابر، بل هي المسمار الأخير في نعش العقد الاجتماعي بين اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو وجمهوره، فعندما تعجز “الرؤوس النووية” و”طيارو النخبة” عن حماية بيوتهم في قلب النقب، تصبح كل وعود الانتصار سرابًا.
صرخة سيدة عراد
بين صرخة السيدة في عراد التي وصفت بن غفير بالنازي، وبين صمت الرادارات التي عجزت عن حماية حماة ‘ديمونة’، سقطت ورقة التوت عن حكومة اليمين المتطرف. إن الأسبوع الرابع من حرب ترامب-نتنياهو لا يبشر بانتصارٍ خاطف كما روجت الدعاية، بل يؤسس لمرحلة ‘توازن الرعب النووي’. لقد دخل نتنياهو هذه الحرب ليصنع مجداً شخصياً، فإذا به يصنع جنازة جماعية لعقيدة الأمن الإسرائيلي. اليوم، لا يبحث الإسرائيليون عن ‘من يفتح هرمز مع ترامب
بل يبحثون عمن يغلق باب الجحيم الذي انفتح فوق رؤوسهم في صحراء النقب وتل أبيب وحيفا، بعد أن أحرقت صواريخ طهران ما تبقى من هيبة لجيشٍ قيل يوماً إنه لا يُقهر.






