صلاح سالم يكتب: الهُوية الوطنية في ذكرى الانتصار المجيد
لعل المتأمل في تاريخ مصر يجدها نموذجا معيارا لتلك الهوية الاستيعابية، التي تراكمت طبقاتها بفضل عراقة تاريخها، وانتظام جغرافيتها، وإيمانها المتصاعد بالعقائد التوحيدية كالآتونية والمسيحية والإسلام.
مصر نسيج واحد ظهر بوضح في سنوات الاستزاف وحرب أكتوبر ولكن حدث تجريف لهذا النسيج
لم تكن ثورة يوليو، سوى تكرارا ناجحا لثورة عرابي، قام به الجيل الأول من شباب المصريين، أبناء الطبقة الوسطى النحيفة، الذين التحقوا بالكلية الحربية بعد معاهدة 1936م.
عندها استعادت مصر بهاءها الذي افتقدته منذ القرن الخامس قبل الميلاد، حيث جرى الانصهار الكامل بين الجيش والشعب والقيادة السياسية في بوتقة الوطنية المصرية.
ورغم السؤال المرير الذي طرحته هزيمة يونيو 1967م حول فعالية الوطنية المصرية الحديثة، وقدرة المصريين على الانغماس بكفاءة في الفن العسكري، فقد أكدت حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر، قدرة المصريين على خوض أعتى الصراعات المسلحة طالما توافر لهم التخطيط العلمي الصارم، مع الروح الوطنية الوثابة.
قبل أسبوعين تشرفت، مع طيف واسع من الكتاب والباحثين والإعلاميين فضلا عن بعض رجال الدولة، بالمشاركة في المؤتمر الذي احتضنته مكتبة الإسكندرية، ورعاه السيد رئيس الجمهورية، بعنوان “الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة”
كان التنظيم رائعا والفعاليات كثيفة، لكن شعورا انتابني بأننا نسعى للإجابة على سؤال غير ملح، فمصر أعرق دولة في العالم، ورغم توالي الحضارات، فقد تمتعت باستمرارية جغرافية وتاريخية لا تضاهيها سوى الصين.
حاضرا لا تعاني مصر من انقسامات بدائية
جغرافية أو عرقية أو دينية تهدد نسيجها الوطني، بل إن الكتلة القبطية أكثر أقليات العالم عشقا لوطنها، وليس أدل على ذلك من دورها في الحركة الوطنية منذ ثورة 1919.
ومن القول الشامخ للبابا تواضروس: وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن.
ومن ثم فالمصريون أكثر شعوب الأرض انتماء لبلدهم، وحبا لترابها، لكن ما تعاني منه مصر الآن، إنما هو تزايد حدة الاستقطاب الطبقي.
تراجع حالة الانصهار المجتمعي، التي صنعت النصر العظيم، وفضلا عن تراجع مستوى التعليم العام، الذي خرَّج لنا من جامعة عين شمس مهندسا من طراز باقي زكي يوسف، الضابط بسلاح المهندسين، صاحب الفكرة العبقرية باستخدام خراطيم المياه في تدمير السد الترابي لخط بارليف الحصين.
الحقيقة أن ثمة مكونين أساسيين للهوية يتعين التمييز بينهما
أولهما راسخ، يتعلق بجذور الشخصية الوطنية.
والثاني متجدد يتعلق بمتغيرات العصور.
الأول يشكل ما نسميه بـ”الهوية الاستيعابية” التي تمكن الشخصية الوطنية من امتصاص الصدمات، والحفاظ على التوازن، والبقاء رغم كل الأعاصير والأنواء، كونه يتغذي من روافد أصيلة كاللغة والدين والعرق والتاريخ الثقافي.
لعل المتأمل في تاريخ مصر يجدها نموذجا معيارا لتلك الهوية الاستيعابية، التي تراكمت طبقاتها بفضل عراقة تاريخها، وانتظام جغرافيتها، وإيمانها المتصاعد بالعقائد التوحيدية كالآتونية والمسيحية والإسلام.
أما المكون الثاني فيشكل ما نسميه بـ”الهوية الحافزة” التي تحرض الشخصية الوطنية على التقدم والازدهار، إذ تتغذى من عناصر كالوعي العلمي والمهارات البحثية والقدرات التكنولوجية والمهارات التنظيمية.
وتتأسس على أخلاقيات العمل كالدقة، والالتزام والتفاني، مع التحلي بفضائل الكفاح المدني والمشاركة السياسية.
تلك الهوية الحافزة هي ما افتقدته مصر عصورا طويلة، قبل أن يُدشن الباشا محمد على الدولة الوطنية الحديثة، التي أخذت تراوح بين امتلاك وافتقاد تلك الهوية الحافزة طيلة القرنين الماضيين، ولذا تعثرت نهضتها الشاملة والدائمة رغم بعض لحظات الصعود والازدهار.
لعل أكتوبر 1973 يمثل أكثر تلك اللحظات إيناعا، حيث تجلت مصر كأفضل ما يكون
جيشا ومجتمعا وقيادة، تخطيطا وتنفيذا، تلاحما وتجانسا، كفاحا وتضحية. لكن مياه كثيرة جرت في النهر، نالت من عناصرها.
من ثم فالسؤال الأهم في ذكرى النصر هو:
كيف نستعيد روحانيته الشماء، كيف نعيد بناء كتلة تاريخية حديثة ومتجانسة، تستطيع النهوض بأعباء تحديث مصر؟
في اعتقادي أن ثمة تحديات ثلاث كبرى يتعين مواجهتها:
التحدي الأول هو الاستقطاب الطبقي الشديد بين من صاروا أهل إيجيبت، ومن استمروا أهل مصر
إيجيبت فئة قليلة، لا تتعدى الخمسة بالمائة، بالغة الثراء فقيرة الثقافة، تنتهج أنماط حياة مظهرية وسلوكيات إنفاق استفزازية، ينفق بعض أعضائها خمسين ألف جنيها لحضور حفل غنائي ويضنون بخمسمائة جنيه على شراء كتاب.
أما مصر فتضم الأغلبية الكادحة لمجرد البقاء من الطبقة الوسطى وقد انزاحت إلى الأسفل لتتلاقى مع الطبقة الدنيا، بفعل التحولات الاقتصادية العنيفة التي تلت تحرير سعر الصرف وأفقدت الجنية قيمته.
المفارقة أن الرسوم الحكومية، فضلا عن السلع الأساسية كالبنزين والبوتاجاز والغاز والكهرباء والمياه، كانت بين الأكثر ارتفاعا، ما يعنى أن الحكومة أصبحت فاعلا أساسيا في ظاهرة الغلاء بدلا من أن تسعى لمواجهتها.
الثاني هو الانقسام الجغرافي
فأهل إيجبت، ومعهم الشريحة العليا النحيفة من الطبقة الوسطي، باتوا يتحصنون في القلاع الحديثة (الكومباوندات) من بيئة الحياة العشوائية لعموم المصريين.
وبعد أن كانت المدينة هي حاضنة الجميع، تحتل الطبقة الوسطى موضع القلب منها، توسطا بين الأحياء الراقية للطبقة العليا، والشعبية للطبقة الدنيا، فقد جرى ترييف أغلب أحيائها، بفعل الإهمال والفساد، لينهار الجسر المكاني الربط بين المصريين، وتلتحم الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى بالطبقات الفقيرة والمهمشة في ساحات العشوائية.
الثالث هو انقسام الوعي العام بين أنماط تعليمية ثلاث
العام/القومي، وعلى يمينه التعليم الديني/الأزهري بمعاهده وجامعاته، وعلى يساره التعليم الأجنبي، بمدارسة الدولية، وجامعاته العالمية، العريقة منها كالأمريكية، والحديثة كالفرنسية والبريطانية والألمانية، والكندية.. الخ.
يندرج كل نمط منها في سياق ثقافي مغاير، يستلهم مرجعيات مختلفة.
ومع تراجع التعليم القومي المفترض أن يمثل التيار الرئيس، انهارت الجسور الرابطة بين ضفاف العقل المصري.
وأخيرا، وبفعل ذلك الانقسام المركب:
الطبقي، والجغرافي، والثقافي، يقترب المجتمع المصري من وضعية الجزر المنعزلة التي ترى نفسها والعالم بصور مختلفة، وهذا هو مكمن الخطر الذي يتعين مواجهته، والحوار حوله لنظل قادرين على استعادة اللحمة الوطنية التي صنعت نصرنا العظيم.
شاركنا برأيك