كاتب وكتاب
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

شجرة القراءة (1) كتاب أسعد حياة

أنها قراءة تسعى إلى الفهم، وتبحث عن الجذور التي تنبت منها الأفكار، وفي هذا السياق تبرز فكرة "شجرة القراءة" بوصفها تصورًا منهجيًا يحرر القارئ من الفوضى.

مشاركة:
حجم الخط:

هل القراءة فعل نستطيع إتقانه؟

سؤال بسيط سألته لنفسي وأنا أتدارك مكتبتي التي (نشعت) الرطوبة في كراتينها المتعددة من قلة استمدادي لورقها..
تأملت الكتب المكدسة في المجالات المختلفة.. وانبهرت ببعض الكتب التي تفاجأت أنها عندي ونسيتها مع مرور الزمن وتراكم الكتب وعدم فهرستي للمكتبة..
أنا لا أصدق أن عندي هذه الكتب:
تاريخ وفلسفة وروراية وإبداع
يا ربي.. هل عندي الأعمال الكاملة لكل هؤلاء المبدعين
وما هذه التفاسير الكثير للقرآن الكريم..
وما هذا؟
هل هذه كل كتب الأحاديث الشريفة التي نسمع عنها..
حسنًا لن أخبركم عن المترجمات والروايات والأشعار والكتب غير المصنفة..
حسنًا عزيزي القارئ سأتوقف هنا ولن أجعلك تلهث معي في مكتبتي البكماء التي لو تحدثت لنطقت بما -لا أستطيع كتابته هنا حياءً- لكني قررت ببساطة أن أعيد قراءة مكتبتي وأن أستخرج كنورها وأكتب عما قرأت..
وأسميت مشروعي

شجرة القراءة

فالقراءة يا سيدي القارئ هي عملية إعادة تشكيل خفية للوعي، وبناء بطيء لطبقات الإدراك داخل الإنسان؛ لهذا لا يتساوى قارئان حتى وإن قرآ الكتاب نفسه لأن ما يحدد أثر القراءة هو موقعه في عقل القارئ، وطريقة استقباله، وسياقه المعرفي الذي يحتضنه أو يرفضه.

القراءة الواعية 

من هنا تنشأ الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه بـ”القراءة الواعية”

إنها قراءة تسعى إلى الفهم، وتبحث عن الجذور التي تنبت منها الأفكار، وفي هذا السياق تبرز فكرة “شجرة القراءة” بوصفها تصورًا منهجيًا يحرر القارئ من الفوضى.

أصول العلم والفن والقراءة 

فكل فن، وكل علم، وكل حقل معرفي، يقوم على بنية عضوية تشبه الشجرة، لها جذور ضاربة في العمق تمثل الأصول المؤسسة التي صاغت المفاهيم الكبرى، ووضعت الحدود الأولى للمعرفة.

هي ما اصطلح عليه القدماء بكتب “العمدة”.. هذه الكتب تمنح القارئ اللغة التي يفهم بها المجال، وتضع بين يديه مفاتيح الدخول الحقيقي إليه.
ثم تأتي الفروع، وهي الامتدادات التي تنمو من تلك الجذور، تعيد صياغتها، أو تفصّل مجملها، أو تنقلها إلى سياقات جديدة.. تتعدد صورها بين شرح وتطبيق وتجديد، وتستمد قيمتها من اتصالها بالأصل.

أزمة  القراءة المعاصرة 

تتجلى أزمة القراءة المعاصرة في الوقوف عند الفروع، تحديدًاعند أطرافها البعيدة، دون مساس بالجذور.

مما يصنع وعيًا هشًا سريع التبدل والتحول لا يقف على فكرة ولا يحمل مشروعًا فكريًا لأنه لم يُبنَ على أساس ومن هذا المنطلق تأتي سلسلة “شجرة القراءة” كمحاولة لوضع الكتب في مواضعها، وفهم دورها الحقيقي في رحلة الوعي.

أسعد حياة كتاب أسعد طلعت

كان أول اختيار في هذه السلسلة كتاب أسعد حياة للكاتب أسعد طلعت.

هو اختيار يرتبط بطبيعة هذا النص، فهو ينتمي إلى كتابة التجربة الإنسانية؛ لكاتب عاش تقلبات حادة، وواجه السقوط في صور متعددة، ومرّ بلحظات خذلان وضياع.

ثم خرج من هذه التجربة برؤية نابعة من الألم، متكئة على الإيمان، مشدودة إلى رغبة صادقة في النهوض.

كتاب يتحرك من الداخل 

لو أخبرتني يا سيدي القارئ أن ألخص لك مفاهيم هذا الكتاب لقلت لك: “هذا الكتاب يتحرك من الداخل إلى الداخل”.. أتدري لماذا؟

لأنه يصحب القارئ في رحلة تبدأ بالسؤال الذي يجب أن نسأله كلنا لأنفسنا لكننا نخاف.

سؤال: أين أنا من نفسي، فمن هذه النقطة يبدأ الوعي، ويتحول الاعتراف بالسقوط إلى الخطوة الأولى في طريق الخروج منه.

إعادة تعريف الألم 

الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب طوال رحلته هي إعادة تعريف الألم.

ذلك الألم الذي يظهر بوصفه لحظة كشف للنفس، لحظة تعرية لما تراكم من الزيف على مجتمعاتنا؛ وذلك لنصل إلى الفرصة.

فرصة إعادة ترتيب الداخل، وبمجرد ما نضبط بوصلة الرحلة ونعيد ترتيب دواخلنا سنجد –بمفاهيم الكتاب- أن السقوط يتحول إلى بداية، والوجع يصبح بابًا للفهم.

الذاتية والنبرة 

قوة أسعد متجاورة في نبعين: النبع الأول هو حكيه لتجربة ذاتية واستخلاص النتائج منها، والنبع الثاني في قوة الكتاب كامنة في نبرته.

فهي نبرة قريبة، إنسانية، لنبرة صادرة من عمق التجربة؛ لدرجة ستشعرك سيدي القارئ أن الصوت موجه إليك، يلامس ما بداخلك، ويوقظ أسئلة مؤجلة لديك.

كتب الإيقاظ 

إذا وضعنا هذا الكتاب داخل “شجرة القراءة” نجد أنه يقع في منطقة يمكن تسميتها كتب الإيقاظ.

هذه الكتب لا تبني البناء المعرفي بقدر ما تفتح الباب إليه.
فهي تضبط البوصلة الداخلية لتستطيع أن تبدأ رحلة الوعي والقراءة.

القوة الكامنة بداخلك 

هي من نوع الكتب التي توقظ القارئ وتدفعه إلى النظر في نفسه، وتحرّك فيه الرغبة في الفهم.

وتكمن قيمتها في إعادة الإنسان إلى نفسه، ومحاولة استثمار لحظة الصدق التي يصنعها النص، والتي قد تكون بداية لتحول أعمق من أي معرفة نظرية.

أسعد طلعت يحاول تعريف أسعد حياة بتذكير القارئ أن القوة كامنة فيه وهي فقط تنتظر لحظة مواجهة.
عند المواجهة ستبدأ الرحلة الحقيقية، رحلة الشجرة الصانعة لوعيك حين تعلم قيمة كل جذر قرأته لتقطف ثمرة معرفتك.

شارك المقال: