سيد أمين يكتب: أسافين بين العرب وإيران
الوقوف مع إيران هو وقوف مع الذات ومع بقاء الإسلام وانتصاره، بل مع بقاء العروبة قبل أن تستبدل بالصهيونية.

صدق تعالي في قوله “ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه”، وصدق حينما يقلب القلوب وجعل الأرواح جنود مجندة ما تقابل منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، فعدونا واحد لا اختلاف عليه، وبالتالي فنحن مع المقاومة أينما حلت، نستشعر وجودها بقلوبنا ونصدقها بعقولنا، ونستعمل فيها ميزان التقديم والتأخير، أو ما يسمى بفقه المرحلة متى تشابه علينا الأمر.
قد يكون المرء شيوعيا مغرما بأطروحات ماركس في رأس المال، وماوتسي تونغ في الكتاب الأحمر والقصة المجهولة وفي التناقض وغيرها، لكنه في لحظة ما يجد نفسه متفهم لأطروحات هتلر في كفاحي بعدما يقرأ الدوافع والمناخ العام وراء هذا الفكر، رغم أنه هو عدو الشيوعية الأول.
قد يكون المرء ناصريا محبا لعبد الناصر ويمجده لأنه فهم أنه معاد للامبريالية ومع العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، وفجأة ينقلب عليه متى تشوهت هذه النظرة، ووصل لزوايا أخرى من المشهد لم يكن يراها من قبل.
الأمر كله يتعلق بجدية البحث عن الحقيقة، والهبوط من التموضعات التي تعارضت مع وحدة الهدف والإخلاص له.
المشهد العراقي
سألني صديق كيف تؤيد إيران في الحرب الحالية وأنت كنت من قبل من أشد مؤيدي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وكتبت له أشعارا ومقالات الثناء والمدح، وهو الذي حارب هذه الدولة ثماني سنوات؟.
فقلت له حينما استعملت فقه الأولويات في الحرب الإيرانية العراقية، فأنا مع العراق – بلا شك – لكونه بلدا عربيا، مع أنني لم أكن محبذا لهذا الحرب التي أخطأت سهامها نحو العدو إلى الجار.
لكن في أم المعارك عام 2003، حينما كان العدو واضح المعالم، كان العراق هو المقاومة، وتأييده في الحقيقة ما كان إلا وقوفا مع النفس، تماما كما هو الحال الآن في العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.
فالوقوف مع إيران هو وقوف مع الذات ومع بقاء الإسلام وانتصاره، بل مع بقاء العروبة قبل أن تستبدل بالصهيونية.
وقمعا لهذا الحَّول المزمن، يجب التأكيد على حقائق عدة أهمها:
أن أمريكا وليست إيران هي من غزت العراق واحتلته، وقتلت المليوني مسلم فيه، ونهبت أمواله، وقسمته لسنة وشيعة بعدما كان رئيسه عربي ونائبه كردي سني ورئيس وزرائه شيعي.
بينما نحو 39 شخصية من الشخصيات الـ 55 التي وضعتهم أمريكا كشخصيات خطيرة في حكومة صدام حسين يجب التخلص منها كانوا شيعة.
أضف إلى ذلك أن إيران لم تخن العراق أثناء الغزو رغم وقوع أطول حرب استغرقت ثمان سنوات بينهما، بل أنها أعلنت رسميا رفضها للغزو الأمريكي له ووقوفها على الحياد الايجابي.
وبعد الغزو دعمت المقاومة العراقية وقدم الشيعة فيه كثير التضحيات والشهداء مثلهم مثل السنة.
لكن من خانته هي الدول العربية، هي التي انطلقت الطائرات الأمريكية لدكه من أراضيها، وهي التي حاصرته وجوعت شعبه ثم دفعت فاتورة غزوه.
المشهد السوري
قبل الخوض في المشهد السوري والتدخل الإيراني فيه.
فلنكن صرحاء ونعترف بأن نتائج الربيع العربي بعد مرور عقد ونصف العقد عليه كشفت عن حقيقته بأنه كان مؤامرة غربية نفذت بواسطة الجيوش في بعض الدول – دول التبعية- بهدف تشديد القبضة العسكرية وتمتين التبعية للغرب.
ضد الجيوش في البعض الأخر من الدول المارقة على الحظيرة الأمريكية بهدف تدميرها من ثم خلق حالة “الفوضى الخلاقة” التي تقود هذه الدول في النهاية للدخول في الحظيرة الأمريكية.
أدركت إيران أن الثورة في سوريا كانت في بدايتها مؤامرة مفتعلة وهدفها ضم هذا البلد إلى الحظيرة الأمريكية، مستغلة حالة القمع والاستبداد والفساد التي عرف بها نظامها، فتصرفت بهدف الدفاع عن أمنها القومي.
فيما أن النظام السوري بأنانيته وإجرامه قد جرها إلى منطقة الصدام حتى مع أقرب حلفائها المحتملين.
وارتأت بعد تسليح التمرد وتمدده أن ما يمسها من ضرر في حال تغييره بتلك الطريقة سيؤدي في النهاية لإدخال هذا النظام في الحظيرة الأمريكية.
بالتالي تهديد نظامها وتهديد حدودها الغربية وقطع خط التواصل والإمداد بينها وبين حزب الله في لبنان، وقد يكون الأخير هو الدافع الأهم لتصنيع هذه الأحداث عند من صنعوها.
وربما أيضا كانت المؤامرة في دفع إيران وحزب الله للتدخل في المشهد السوري من أجل صناعة الانشقاق بين تياري الممانعة السني والشيعي ما يحول دون توحدهما ضد مشروعه الصهيوني.
الجميع مخطئون
رغم ذلك تجلت عبقرية طوفان الأقصى في أن طرفيه من المقاومين السنة والشيعة أدركا المخطط مبكرا، فتجاوزا خطوط المذهبية البغيضة فجعلاه بداية إلتحام جديدة لشطري الأمة تروى بدمائهم.
أخطأت إيران وحزب الله في استمرارهما بالتدخل في الشأن السوري عسكريا وعدم ضغطهما على النظام السوري بالنزول على إرادة الشعب بالشروط والطريقة التي تحول دون سقوط هذا البلد في الحظيرة الأمريكية، مع تأمين خطوط إمدادات حزب الله.
مع ذلك أخطأ الصادقون من الأطراف السنية حينما سلحوا الثورة وصمتوا على التدخل الأمريكي.
الخطأ الأكبر على النظام السوري الذي استمرأ سفك الدماء حتى وصل لمرحلة أن بقائه صار عبئا حتى على أقرب داعميه.
وتأكيدا لذلك علينا أن نتذكر كيف سيكون المشهد الذي بدا عليه عظم التعاطف العربي من المحيط للخليج مع حزب الله عام 2006، وهو التعاطف الذي حوله الى أمل الأمة في المقاومة، وكيف خفت هذا الدعم بعد الأحداث السورية، ما يؤكد نجاح المخطط الغربي.
لكن الجميع أخطأ، والصفح يجب أن يشمل الجميع، لأننا جميعا مستهدفون للإبادة سنة وشيعة من عدو واحد، يجب ان نطوى تلك الصفحة المذهبية ونسير على الطريق الذي مهده لنا أبطال طوفان الأقصى بدمائهم.






