سادة التلاوة (2) عبد الله بن مسعود
ومن الثابت تاريخيًا أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انتقل إلى الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأُرسل معلمًا ومؤدبًا لأهلها

بقلم:
د. عبود مصطفى عبود
إذا كان أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه يمثل في صدر الإسلام مرجعيةً مدنيةً كبرى في الإقراء، فإن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يمثل الوجه الآخر المكمل في البناء القرآني المبكر؛ رجلٌ جمع بين السبق إلى الإسلام، وشدة الملازمة للنبي ﷺ، والتمكن في التلقي، ثم نقل هذا العلم إلى مصرٍ صار لاحقًا من أعظم أمصار القراءة. غير أن الحديث عنه—التزامًا بمنهج هذا المشروع—لا يقوم على التهويل، ولا على إسقاط اصطلاحات القرون المتأخرة على زمن الصحابة، بل على النصوص الصحيحة، وما يثبت بسندٍ معتبر.
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، من السابقين الأولين، ومن أخصّ أصحاب النبي ﷺ به ملازمةً، حتى كان يدخل عليه ويشهد أحواله الخاصة، وقد عُرف بقربه من بيت النبوة، وهذه الملازمة ليست وصفًا اجتماعيًا فحسب، بل هي عنصرٌ تفسيريٌّ أساس في فهم مكانته القرآنية؛ لأن القرآن في عصر النبوة كان يُتلقّى بالمشافهة والمعايشة اليومية، لا عبر مؤسسات تعليمية مستقلة كما عُرف في العصور اللاحقة.
ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذه شهادة نبوية دقيقة في باب الأداء؛ لأن وصف القراءة بأنها “غضًّا كما أُنزل” يدل على مطابقة الأداء لما سمعه من النبي ﷺ في لفظه وهيئته، لا على تأسيس مذهبٍ مستقل أو مدرسة اصطلاحية بالمعنى الذي استقر لاحقًا في علم القراءات. فالمعنى هنا معنى الإتقان والالتزام بالأصل الأول.
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ عليّ القرآن». فقال: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾، فقال: «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وهذه الرواية تدل دلالة واضحة على أن ابن مسعود كان ممن يُقرأ عليهم القرآن على وجه الإقرار، وأن أداءه كان محل قبول واطمئنان.
من الآثار المشهورة عنه قوله: «والله لقد أخذتُ من فيّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة». وهذا الأثر يدل على كثرة ما تلقّاه مشافهةً مباشرةً من النبي ﷺ. غير أن هذا النص لا يُفهم على معنى الحصر العددي الذي يقتضي أن ما زاد على هذا العدد لم يسمعه منه، بل هو بيانٌ لكثرة اختصاصه بالأخذ المباشر. وقد نبه بعض أهل العلم—ومنهم ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري—إلى أن مثل هذا لا ينفي أنه سمع بقية القرآن من النبي ﷺ في الصلاة أو في المجالس العامة، فيكون قد أخذه عنه سماعًا وإن لم يكن بطريق الإفراد والمواجهة الخاصة، وبذلك يزول أي توهم بوجود نقصٍ في التلقي.
وقد عُرف عن ابن مسعود رضي الله عنه شدة عنايته بفهم القرآن ومعرفة سياقات نزوله، ومن ذلك قوله المشهور: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه». وهذه العبارة لا تُحمل على دعوى الإحاطة المطلقة، بل تُفهم في سياق عالمٍ شهد التنزيل، ولازم الوحي، ويعبّر عن ثقته بما عنده من علم في زمنٍ كان العلم فيه قائمًا على الحفظ والمشافهة.
من الثابت تاريخيًا أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انتقل إلى الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأُرسل معلمًا ومؤدبًا لأهلها، وكان هذا الانتقال انتقال تعليمٍ وتأصيل، لا تأسيسٍ من فراغ؛ إذ لم تكن الكوفة خاليةً من القرآن، ولكن إرسال صحابيٍّ جليلٍ ملازمٍ للنبي ﷺ رسّخ فيها أصلًا متينًا في التلقي والضبط. ثم جاء بعده من كبار التابعين ممن لازم مجلسه وأخذ عنه، كـ علقمة بن قيس والأسود بن يزيد، فحملوا علمه ونشروه، حتى انتهت السلسلة في الطبقات اللاحقة إلى أئمة القراءة في الكوفة، ومنهم عاصم بن أبي النجود. وهذه السلسلة التاريخية لا تعني نشوء “مدرسة” بالمعنى المصطلحي المتأخر في عصر الصحابة، وإنما تعني امتدادًا طبيعيًا للتلقي بالمشافهة من الجيل المؤسس إلى أجيال التدوين.
أما ما يُذكر من “مصحف ابن مسعود”، وما وقع زمن جمع المصحف في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فإن التحقيق يقتضي بيانًا صريحًا: لم يكن الخلاف المنقول خلافًا في نصّ القرآن المنزل، ولا في ثبوت سوره وآياته، وإنما كان في منهج الجمع، وفي طريقة توحيد المصاحف على رسمٍ واحدٍ يرفع أسباب الاختلاف في الأمصار. وقد انعقد إجماع الصحابة في النهاية على المصحف الإمام الذي وُجّه إلى الأمصار، وصار هو المرجع الجامع، وثبت رجوع ابن مسعود رضي الله عنه إلى ما اجتمعوا عليه. فلا يصح بحال أن يُتوهم وجود “قرآن لابن مسعود” مباينٍ لما بأيدي المسلمين، وإنما هي صحفٌ شخصية أو ملاحظات تتعلق بترتيبٍ أو بوجوه قراءةٍ، ضمن الإطار العام للقرآن المتواتر الذي أجمعت عليه الأمة.
توفي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في المدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وأشهر الأقوال أنه توفي سنة 32 هـ، وقيل غير ذلك. وهذا الخلاف في تحديد السنة لا يؤثر في أصل منزلته ولا في أثره العلمي في تاريخ القرآن.
وخلاصة منزلته أنه من أوثق الصحابة اتصالًا بالوحي، ومن أشدهم ملازمةً للنبي ﷺ في التلقي، شهد له النبي ﷺ بجودة القراءة ومطابقة الأداء، وأكثر من الأخذ المباشر عنه، ثم حمل هذا العلم إلى الكوفة فكان من أعمدة التلقي في الجيل المؤسس، ضمن الإطار الجامع الذي أقرّه الصحابة وأجمعت عليه الأمة. وهذه المكانة إنما تثبت بالنصوص الصحيحة والوقائع التاريخية الثابتة، لا بالمبالغات، ولا بإسقاط الاصطلاحات المتأخرة على زمنٍ كانت فيه القراءة علمًا حيًّا في صدور الرجال.
رابط المقال المختصر:





