مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلــــــــــــزال هــــــــــــرمز (14) سيناريوهات الاجتياح 

تظل إسرائيل أسيرة لما يمكن تسميته "المفارقة البرية" في سيناريوهات الاجتياح، إذ إن أي قرار للتوغل البري، سواء كان توغلاً محدوداً يهدف لإنشاء حزام أمني يصل إلى نهر الليطاني أو اجتياحاً واسعاً يكرر سيناريو عام 1982،

مشاركة:
حجم الخط:

بينما تقف المنطقة على أعتاب لحظة استراتيجية فارقة

تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار مفتوحة لكل نظريات الردع التقليدية؛ إذ لم تعد الجبهة مجرد خط تماس عسكري، بل أصبحت مسرحاً لعمليات هجومية غير مسبوقة.

 كثّف حزب الله من وتيرة ضرباته الصاروخية والمسيرة التي طالت شمال إسرائيل وأصابت عمقها في الوسط، محققاً اختراقات نوعية في منظومات الدفاع الجوي التي كانت تُوصف بـ “المحكمة”، مما خلق حالة من الشلل العملياتي والارتباك السياسي في تل أبيب، ودفع القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى التلويح بخيار الاجتياح البري كحل أخير لاستعادة الأمن المفقود.

أزمة الدولة اللبنانية 

هو واقع ميداني لا يمكن قراءته بمعزل عن تعقيداته الداخلية التي باتت تتجاوز في خطورتها المواجهات المباشرة، إذ لم يعد الصراع محصوراً في تبادل إطلاق النار أو في سياق “قواعد الاشتباك” التقليدية، بل امتد ليشمل “الأمن الوجودي” للدولة اللبنانية التي تجد نفسها اليوم في مواجهة أحد أصعب الاختبارات لمصيرها منذ عقود.

الدولة اللبنانية، التي تعاني أصلاً من شلل بنيوي مزمن في مؤسساتها الدستورية والسياسية، باتت في موقف لا تُحسد عليه، حيث تقف عاجزة عن اتخاذ قرار الحرب أو السلم بشكل مستقل، مما يضعها في حالة من “العجز الهيكلي” أمام تغول القوى المسلحة التي تفرض أجنداتها الميدانية.

الحكومة اللبنانية تحاول إيجاد حلول دبلوماسية

تحاول الحكومة اللبنانية عبر قنوات دبلوماسية موازية ومن خلال وساطات دولية معقدة أن تنأى بنفسها عن الانزلاق نحو حرب شاملة قد تقضي على ما تبقى من مقومات الدولة، وهو ما يصطدم برفض إسرائيلي قاطع لأي تسوية لا تضمن تعديلات جوهرية على مهام القوات الدولية (اليونيفيل) وتضع شروطاً أمنية جديدة تهدف إلى تغيير الواقع الميداني جذرياً على الأرض.

إن النزوح الجماعي الكثيف لمئات الآلاف من سكان القرى الحدودية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت نحو مناطق الداخل اللبناني، كالجبل والشمال وبيروت، لم يعد مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل تحول إلى ما يشبه “السلاح الديموغرافي” غير المقصود الذي يضغط بحدة على بنية تحتية متهالكة أصلاً،.

مما خلق بؤر توتر اجتماعي كامنة قد تستغلها أطراف سياسية محلية أو إقليمية لزعزعة الاستقرار الهش، بالإضافة إلى أن هذا النزوح يضع ضغوطاً غير مسبوقة على “الحاضنة الشعبية” لحزب الله، التي باتت تعاني من غياب المقومات الحياتية الأساسية.

قدرة الحزب على الصمود؟

مما يطرح تساؤلات استراتيجية عميقة حول مدى قدرة الحزب على الصمود في “حرب استنزاف” طويلة المدى إذا ما استمرت الحاضنة الشعبية في تآكل قدرتها على التحمل، خاصة وأن هذا النزوح يمثل ورقة ضاغطة على القرار السياسي للحزب في ظل تزايد الأصوات المطالبة بوقف الحرب قبل أن تؤدي إلى تدمير شامل للبنية التحتية اللبنانية التي قد تفقد.

إسرائيل أسيرة المفارقة البرية
في المقابل، تظل إسرائيل أسيرة لما يمكن تسميته “المفارقة البرية” في سيناريوهات الاجتياح، إذ إن أي قرار للتوغل البري، سواء كان توغلاً محدوداً يهدف لإنشاء حزام أمني يصل إلى نهر الليطاني أو اجتياحاً واسعاً يكرر سيناريو عام 1982، يظل محفوفاً بمخاطر استراتيجية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

التوغل المحدود، رغم أنه يهدف إلى طمأنة سكان الشمال وإبعاد منصات الصواريخ قصيرة المدى، يواجه تهديداً بتحول هذا الحزام إلى “هدف دائم” لعمليات القنص والعبوات الناسفة التي قد تستنزف موارد الجيش الإسرائيلي البشرية والمادية على المدى الطويل.

سيناريو الحرب الخاطفة لإسرائيل 

بينما يحمل سيناريو الحرب الخاطفة نحو بيروت مخاطر الانزلاق إلى مستنقع حرب شوارع طاحنة قد تؤدي إلى انهيار الاستقرار الإقليمي بأكمله، وهو ما تخشاه تل أبيب لتجنب حصيلة قتلى باهظة في صفوف جيشها ولتفادي عزلة دولية قد تفرضها ضخامة الخسائر البشرية في صفوف المدنيين اللبنانيين، مما يجعل كلا الخيارين –الاجتياح المحدود أو الشامل– أمام مأزق استراتيجي حقيقي حيث يغيب أي سيناريو يضمن “الانتصار” بالمعنى التقليدي للكلمة.

مأزق تل أبيب 
إن المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه تل أبيب يكمن في إدراكها المتأخر بأن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها التقنية، لا يمكنها القضاء على أيديولوجيا حزب الله أو تدمير ترسانته الصاروخية بالكامل عبر الضربات الجوية أو حتى الاجتياح البري الذي قد يعني دفعاً باهظاً من الاقتصاد والأرواح.
بينما يواجه حزب الله تحدي الحفاظ على معادلة الردع دون أن يقود لبنان نحو الانتحار الجماعي، مما يضع المشهد الإقليمي أمام حالة من “الجمود الاستراتيجي” التي لا يملك فيها أي من الطرفين القدرة على حسم المعركة دون تكلفة كارثية.

تسوية قسرية 

 المخرج الوحيد الذي قد يلوح في الأفق ليس انتصاراً عسكرياً، بل “تسوية قسرية” تفرضها أطراف دولية وإقليمية فاعلة، تعيد رسم قواعد الاشتباك بموازين قوى جديدة، لكنها قطعاً لن تكون أبداً عودة إلى حالة الاستقرار الهش التي سادت ما قبل عام 2026، إذ إن المعادلات قد تغيرت جذرياً، وأصبح الجميع بانتظار اللحظة التي تضطر فيها الأطراف لقبول واقعٍ جديد يتشكل بدماء الميدان وتداعيات السياسة.

شارك المقال: