زلزال هرمز (24) طعنة في قلب الاقتصاد العالمي
في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في الخليج، تتعرض حركة الشحن العالمي- التي يعتمد نحو 30% منها بشكل مباشر أو غير مباشر على الممرات القريبة من مضيق هرمز والبحر الأحمر- لاختناقات حادة.

لم تعد المواجهة الدائرة حول إيران حدثًا عسكريًا يمكن احتواؤه ضمن خرائط الاشتباك التقليدية، بل تحولت تدريجيًا إلى صدمة اقتصادية مركبة تضرب في العمق البنية التشغيلية للاقتصاد العالمي.
حيث تشير تقديرات مستندة إلى بيانات صندوق النقد الدولي ووكالة الطاقة الدولية إلى أن أي تعطّل جزئي في تدفقات الطاقة عبر الخليج، ولو بنسبة 20 إلى 30% فقط، كفيل بإحداث خسائر تتراوح بين 1.3 و1.8 تريليون دولار سنويًا.
نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو، وهو ما يعني أن العالم لم يعد أمام أزمة عابرة، بل أمام إعادة تشكيل قسرية لمعادلات الإنتاج والتجارة والتكلفة.
الطاقة: صدمة الإمدادات التي تعيد تسعير العالم
يمر عبر مضيق هرمز يوميًا ما يقارب 18 إلى 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي.
إضافة إلى ما يقارب 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما يجعل أي اضطراب يترجم مباشرة إلى قفزات سعرية حادة.
وقد أظهرت النماذج التاريخية المقارنة (1973 – 1990 – 2022) أن انخفاض الإمدادات بنحو 5 ملايين برميل يوميًا يمكن أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 50% و90% خلال أسابيع.
وهو ما يفسر انتقال سعر البرميل في مثل هذه السيناريوهات من نطاق 70–80 دولارًا إلى مستويات تتجاوز 120–150 دولارًا.
مع ما يعنيه ذلك من تكلفة إضافية مباشرة على الاقتصاد العالمي تُقدّر بنحو 350 إلى 450 مليار دولار سنويًا كفاتورة طاقة إضافية، وهي تكلفة لا تتوقف عند الاستهلاك، بل تمتد لتغذي موجة تضخم صناعي عابر للقطاعات.
النقل والشحن: الاختناق الذي يعيد تشكيل التجارة
في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في الخليج، تتعرض حركة الشحن العالمي- التي يعتمد نحو 30% منها بشكل مباشر أو غير مباشر على الممرات القريبة من مضيق هرمز والبحر الأحمر- لاختناقات حادة.
حيث تُظهر بيانات شركات الشحن الكبرى أن تكاليف نقل الحاويات ارتفعت من متوسط 1500–2000 دولار للحاوية إلى ما بين 3500 و4500 دولار في المسارات المرتبطة بالمنطقة، أي بزيادة تتجاوز 120%.
في حين أدت إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح إلى زيادة زمن الرحلة بما يتراوح بين 10 و18 يومًا، وهو ما يخلق فجوة زمنية في الإمدادات الصناعية والتجارية.
تُترجم اقتصاديًا إلى خسائر تشغيلية مباشرة تُقدّر بنحو 80 إلى 120 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن خسائر غير مباشرة نتيجة تأخر التسليم ونقص المخزون، قد تصل إلى 50 مليار دولار إضافية.
الصناعات الثقيلة: التأثير المتسلسل عبر سلاسل الإنتاج
تشكل منطقة الخليج أحد الأعمدة الرئيسية لإنتاج الألمنيوم والبتروكيماويات عالميًا، حيث تمثل نحو 25% من إنتاج الألمنيوم الأولي عالميًا.
وتعتمد هذه الصناعات بشكل شبه كامل على الطاقة منخفضة التكلفة، وهو ما يجعلها حساسة للغاية لأي ارتفاع في أسعار الوقود أو اضطراب في الإمدادات.
قد أظهرت نماذج الإنتاج أن ارتفاع تكلفة الطاقة بنسبة 30% فقط يؤدي إلى تراجع الإنتاج الفعلي بما يتراوح بين 10% و20% في بعض المصانع، وهو ما يدفع أسعار الألمنيوم عالميًا إلى الارتفاع بنحو 25% إلى 35%، بينما تتجاوز خسائر قطاع البتروكيماويات في سيناريو حرب ممتدة 100 مليار دولار سنويًا، نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل وتعطّل الصادرات.
وهي خسائر لا تبقى محصورة في القطاع ذاته، بل تنتقل إلى الصناعات المرتبطة مثل السيارات والبناء والإلكترونيات.
الصناعات الخفيفة: تآكل الهوامش وانكماش الإنتاج
على عكس الصناعات الثقيلة، لا تمتلك الصناعات الخفيفة- كالنسيج والبلاستيك والسلع الاستهلاكية- القدرة على امتصاص الصدمات السعرية.
حيث يؤدي ارتفاع أسعار المواد الخام المشتقة من النفط بنسبة تتراوح بين 20% و50% إلى تآكل هوامش الربح بشكل مباشر.
وهو ما يدفع عددًا متزايدًا من المصانع الصغيرة والمتوسطة إلى تقليص الإنتاج أو الإغلاق الجزئي.
تشير التقديرات إلى أن ما بين 10% و15% من هذه المنشآت قد تواجه خطر التوقف في حال استمرار الأزمة، وهو ما يترجم إلى خسائر إجمالية تتراوح بين 100 و150 مليار دولار عالميًا، فضلًا عن انعكاسات اجتماعية مرتبطة بارتفاع البطالة وانخفاض القدرة الشرائية.

الغذاء: التضخم الذي يهدد الاستقرار
يتقاطع ارتفاع أسعار الطاقة مع اضطراب النقل ليخلق موجة تضخم غذائي عالمية، حيث ترتفع تكلفة الأسمدة- المرتبطة مباشرة بأسعار الغاز- بنحو 30% إلى 40%.
بينما تزيد تكلفة نقل السلع الغذائية بنسبة تتجاوز 25%، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا بنسب تتراوح بين 20% و60% بحسب الدولة.
تُظهر تقديرات البنك الدولي أن هذا النوع من الصدمات قد يدفع ما بين 100 و150 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد.
وهو ما يجعل الأزمة الاقتصادية تتجاوز بعدها المالي لتلامس الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
الطيران والخدمات: خسائر مباشرة في القطاعات الحيوية
لم تكن قطاعات الخدمات بمنأى عن هذه التداعيات، حيث يؤدي إغلاق الأجواء أو تقييدها في منطقة الخليج- التي تمثل عقدة رئيسية في الطيران العالمي- إلى تعطيل ما يقارب 15% إلى 20% من حركة الطيران الدولي.
وهو ما يترجم إلى خسائر مباشرة لشركات الطيران تتراوح بين 30 و50 مليار دولار سنويًا، في حين يتعرض قطاع السياحة لخسائر قد تصل إلى 70–90 مليار دولار نتيجة إلغاء الرحلات وتراجع الطلب.
وهو ما ينعكس بدوره على قطاعات الضيافة والتجارة والخدمات المرتبطة.
الأسواق المالية: انتقال الصدمة إلى رأس المال
في ظل هذه المعطيات، تتفاعل الأسواق المالية بسرعة مع تصاعد المخاطر، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع النمو إلى انخفاض مؤشرات الأسهم العالمية بنسبة تتراوح بين 5% و12%، وهو ما يعادل خسائر سوقية تتجاوز 2 إلى 3 تريليونات دولار من القيمة الرأسمالية.
في حين تتجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، مما يضع ضغطًا إضافيًا على العملات في الأسواق الناشئة، ويرفع تكلفة الاقتراض عالميًا، في دورة مالية تعكس انتقال الصدمة من الاقتصاد الحقيقي إلى النظام المالي.
السيناريو الممتد: ركود تضخمي يلوح في الأفق
إذا استمرت الحرب لأكثر من ستة أشهر، فإن المؤشرات المتقاطعة تشير إلى احتمال دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي، حيث قد يرتفع التضخم إلى مستويات تتراوح بين 6% و9% عالميًا.
بينما يتراجع النمو إلى أقل من 2%، وهو ما يضع الاقتصاد في معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ النشاط، وهي من أكثر الحالات تعقيدًا في المعالجة الاقتصادية.
الخلاصة: الاقتصاد هو ساحة المواجهة الحقيقية
في المحصلة، لا تكمن خطورة الحرب في عدد الضربات أو اتساع الجغرافيا، بل في قدرتها على تعطيل الشبكات التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
حيث تتحول الطاقة إلى أداة ضغط، والتجارة إلى مسار مضطرب، والأسواق إلى بيئة غير مستقرة، في مشهد يعكس أن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري.
بل إعادة تشكيل عميقة لقواعد الاقتصاد العالمي، تتم بهدوء، ولكن بتأثيرات قد تستمر لسنوات.
الحروب الحديثة لا تُقاس بنتائج المعارك… بل بحجم الخلل الذي تتركه في الاقتصاد العالمي.






